محمد عبد الله دراز

328

دستور الأخلاق في القرآن

إطار الحركة . وبهذا المعنى الثّاني فقط يمكننا القول بأنّ الفكر العربي كلّه فكر قدري ، ما خلا بعض الاستثناءات . والواقع أننا لا نرى أثرا للفكرة العكسية ( الّتي تجرد أعمالنا من العلم الإلهي المسبق ) في المرحلة السّابقة على الإسلام ، ولا بعد ظهور الإسلام ؛ حتّى بداية العصر الأموي . وفي عام ( 80 للهجرة ) ، أتهم بالبصرة رجل يقال له : « معبد » « 1 » ، كان يعتنق هذه الفكرة المتطرفة عن الحرية الإنسانية ، وأعدم الرّجل كمرتد ، في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان ، ولم تلبث نظريته أن تبعته دون عودة ، بيد أنّ هذه الحادثة قد أيقظت التّفكير الفلسفي على المشكلة . ولم نلبث أن رأينا منذ بداية القرن الثّاني الهجري ظهور فرقة المعتزلة ( مع ظهور واصل بن عطاء ، المتوفي عام 131 ه ) ، وهي الّتي أخذت ، ولو بطريقة مخففة نفس اللقب : « القدرية » « 2 » ، الّذي كان يقصد به النّظرية القديمة المطّرحة . وترى هذه الفرقة أنّ اللّه يعلم يقينا في أي أمر سوف يستخدم الإنسان ملكاته ، وقدرته الكاملة الّتي منحه إياها ، وهو مع ذلك يتركه يفعل ، تحت مسئوليته الكاملة ، وهو ما اعترضت عليه فرقة القدرية ، الّتي كان صاحبها « جهم بن صفوان » « 3 » ، من « ترمذ » فقد كان

--> ( 1 ) هو معبد بن عبد اللّه بن عويم الجهني البصري ، أوّل من قال بالقدرة في البصرة ، وحضر يوم التّحكيم ، وانتقل من البصرة إلى المدينة فنشر فيها مذهبه ، وخرج مع ابن الأشعث على الحجاج ، فجرح وأقام بمكة ، ثم قتله الحجاج بعد أن عذبه ، وقيل : صلبه عبد الملك بن مروان بدمشق ، كما في الأعلام للزركلي : 8 / 177 ، أسد الغابة : 3 / 145 . ( 2 ) ربما كان إطلاق وصف « القدرية » على المعتزلة يعني النّقيض ، أي : من لا يقولون بالقدر ، كما أطلق لقب « المحكّمة » على رافضي التّحكيم . « المعرب » . ( 3 ) أبو محرز جهم بن صفوان السّمرقندي التّرمذي ، رأس الجهمية ، وقد زرع شرا عظيما ، كان يقضي في -