محمد عبد الله دراز

32

دستور الأخلاق في القرآن

خطته ؛ ولم ينتهج الطّريق السّهلة الّتي انتهجها غيره بالشروع في تحضير رسالة الدّكتوراة رأسا ، بل فضل أن يسير في الطّريق الأكاديمي من بدايته ، ويفعل ما يفعله طلاب العلم من الفرنسيين الذين يعدون أنفسهم إعدادا أكاديميا رصينا . فالتحق بالسوربون للتحضير لدرجة الليسانس ، ودرس الفلسفة ، والمنطق ، والأخلاق ، وعلم النّفس ، وعلم الاجتماع على أيدي أساتذة السّوربون ، والكوليج دي فرانس من أمثال ماسينيون ، وليفي بروفنسال ، ولوسن ، وفالون ، وفوكونية . ونجد أثر هذا التّكوين العلمي الرّصين في رسالته حيث لم يكتف بتوضيح وجهة النّظر الإسلامية ، بل كان يجليها بمقارنتها بآراء المفكرين والفلاسفة ، وكان لا يترك مناسبة إلا استعرض فيها رأي عالم من علماء الغرب ، أو نظرية من النّظريات السّائدة ، ثمّ يبيّن ما في هذه النّظرية أو في ذلك الرّأي من قصور أو خطأ ، ويعقب ذلك ببيان كمال النّظرية الأخلاقية في القرآن الكريم . وقد استغرقت كتابة هذه الرّسالة ما يقرب من ست سنوات . ويبدو أنّ العالم الجليل قد شرع فيها في عام ( 1941 م ) بعد أن انتهت حملة فرنسا ، وعاد إلى باريس بعد سنة أمضاها في بوردو ( بجنوب غرب فرنسا ) حين اقتربت الجيوش النّازية من العاصمة الفرنسية ، وأصبح سقوطها وشيكا ، وإذا أضفنا إلى هذه السّنوات السّت خمس سنوات قبلها أمضاها الأستاذ في التّعرف على مناهج العلوم في الغرب ، وتحضير درجة الليسانس ، فإنّه يكون قد أمضى ما بين إعداد العدة ، وتنفيذ مشروعه حوالي أحد عشر عاما . ولم تكن هذه بالفترة الطّويلة إذا قدرنا ما اكتنفها من سنوات الحرب العصيبة ، وما أثارته هذه الحرب من مشكلات مادية ، ونفسية كان الأستاذ يتحمل عبئها ، ويحاول إبعادها عن أسرته الكبيرة الّتي صحبته في غربته . وأذكر أنّه اضطر - أثناء هجوم الحلفاء لتحرير فرنسا - لقضاء أيام طويلة مع أسرته في مخبأ تحت الأرض ، كان