محمد عبد الله دراز
315
دستور الأخلاق في القرآن
الطّبيعي لملكاتها ، وقواها ، وموضعها منها كموضع سائق القطار خلف ماكينته ، أوتي القدرة على أن يتدخل في كلّ لحظة لإيقافها ، أو تغيير سرعتها ، أو اتجاهها . وهكذا نستطيع أن نوجه اختيارنا ، بأعظم ما نريد له من تنوع ، دون أن ننتهك قوانين الطّبيعة الظّاهرة ، أو الباطنة ، بل وبمساعدة هذه القوانين . نستطيع مثلا أن نحرك خيالنا ليمثل لنا بصورة أوضح ، وأدق - موضوع العمل الّذي أحالته العادة ، أو الغريزة إلى مخطط غامض مختلط ، ونستطيع أن نقرب من بؤرة شعورنا ما سبق أنّ رفضه في خلفيته ، وأن نركز فيه انتباهنا ، وأن نقوم أسبابه ، وإذا لم نكشف لصالحه قيما داخلية أوردنا له قيما أخرى ، شخصية محضة ، وألححنا بكلّ ثقلنا ، بحيث نحول إرادتنا عن مجراها الحالي لتختار طريقا جديدة . وهي حتمية أيضا ، لو أردنا « 1 » ، ولكن بشرط أن تكون « محدّدة » ، لا « محدّدة » ( محكومة لا حاكمة ، مقضية لا قاضية ) ، إنّها ليست النيّر الّذي نتحمله بخضوع يشبه خضوع الرّهابنة ، ولكنها آلة ذات حدين ، نستطيع أن نمسك بها من كلا طرفيها ، كيما نضبطها بوساطة نوع من التّكليف المبدع ، الّذي يتوافق مع أي هدف من أهدافنا المتعارضة . وحيث قد اشتملت هذه الحتمية ، على تحديدات كثيرة ، فإنّها على هذا النّحو هي ذاتها غير محدّدة .
--> ( 1 ) وأقول : لو أردنا . . . إذ الواقع أنّ الملكات الأخرى المسخرة لا تحدد بذاتها وحدها الإرادة مطلقا ، بل كلّ دورها أنّها تيسر لها الممارسة ، وتتيح لها فرصة أكبر كي تستعلن . وبالرغم من كلّ شيء ، أستطيع أن أقول : نعم ، ولكن لا أريد . ولكي أحافظ على وضعي ، وأبقى ممتنعا أمام جميع المثيرات ، سوف يكون أمامي دائما فرصة لأستعمل هذه الوسيلة الفعالة للمقاومة ، الّتي تتمثل في أن أحول عنها نظراتي ، وأفكر في أشياء أخرى .