محمد عبد الله دراز
316
دستور الأخلاق في القرآن
وإذا كانت إرادة الإنسان الفاضل ، وإرادة المجرم لا تمارسان غالبا إلّا في اتجاه وحيد ، فمعنى ذلك أنّ كلا منهما بدأ بأن شدّ إرادته إلى محرك خاص ، مع احتفاظه بحريته في أن يأخذ ، ويدع ، ويتفنن ، كيفما شاء . إننا مهما صعدنا إلى أعلى الدّرجات في سلم الفضيلة ، أو هبطنا متردين في منحدر الرّذيلة ، فإنّ أحكم النّاس كأشدهم فسقا ، كلاهما يستشعر في نفسه القدرة على أن يتوقف ، أو ينكص على عقبيه ، أو يعاود الكر . وإذا كانا لا يفعلان ذلك فلأنهما لا يريدانه ، لا لأنّهما لا يقدران عليه . فهما يستطيعان أن يقدما دليلا مرئيا وملموسا على هذه القدرة العملية ، في مواجهة الخصم ، الّذي ربما كان ينكر قدرتهما على أن يفعلا ما لم يتعوداه . بل لقد سبق لكلّ منا أن قدم هذا الدّليل ، غاية ما هنالك أنا لما كنّا مزيجا من الميزات والعيوب فإنّ الفرق بين الأشخاص لم يعد أن يكون مسألة نسبية . ولا ريب أنّ فوق هذه الحرية الطّبيعية ، الّتي هي « قدرة مزدوجة » ، حرية أخرى أخلاقية بنوع خاص ، هي « الواجب بالمعنى الدّقيق » . فالحرية الأولى : هي القدرة الّتي نختار بها أيّا من النّقيضين ، والثّانية : هي « حسن استعمال » الأولى . فهي التّخلي النّهائي عن الشّر ، والاختيار الفعلي للأفضل . بيد أنّ الحرية هنا ليست حرية الخلاص ، تلك الّتي تبرئ مسؤوليتنا ، ولكنها الحرية الّتي تشترط المسؤولية وتقوم أساسا لها . والمهم هو معرفة ما إذا كنّا في جميع الأعمال الإرادية نملك فعلا هذه القدرة على النّقيضين ، أي إذا كنّا ، رغم ضغط طبيعتنا ، وضغط الطّبيعة الخارجية في جانب حلّ معين ( وحينما لا يستهدف هذا الضّغط إلغاء إرادتنا كلية ، كما في حالة التّنويم ، أو الجنون ) -