محمد عبد الله دراز
310
دستور الأخلاق في القرآن
وهكذا يلتقي من طريق أخرى « برجسون » مع « كانت » ، فكلاهما يقرر عجز ذاتنا التّجريبية ، والشّعورية عن أن تفعل شيئا سوى تلقي عملها جاهزا من ذات أخرى ، أطلق عليها أحدهما : الذات الأساسية ، وأطلق عليها الآخر : الذات الماهية المعقولة [ Moi noume ? nal ] ، وكلّ ما يفرق بينهما في هذا المجال أنّ برجسون يضع هذه القدرة في واقع محسوس ، وقد كان بحكم إخلاصه لنزعته البيولوجية يدافع عن تلقائية « الدّفعة الحيوية » في نموها الطّبيعي ، الّذي تتحدى به جميع التّدبيرات المحسوبة . غير أنّ هذه ليست أيضا الحرية بالمعنى الّذي يشغلنا ، فهي بدلا من أن تدعم مسؤوليتنا الأخلاقية ، لا تفعل - على العكس - سوى أن نقوضها . فإذا كانت إرادتنا تنبثق من طبعنا ، وكان طبعنا مفروضا علينا قدرا مقدورا ، فإننا نظل في حلقة مقفلة : لا أحد يقدر أن يكون سوى ذاته . إنّ الحرية الّتي تقوم كشرط لمسئوليتنا يجب أن نبحث عنها في مجال آخر غير الطّبيعة الواقعية ، أو المحتملة « الكائنة » ، أو الّتي في طريقها إلى التّكوين . يجب أن تكون هذه الحرية ذات طابع يسيطر على الطّبيعة ولا يخضع لسيطرتها ، أو تكون - كما قال سبينوزا - « طبيعة فاعلة » لا « طبيعة منفعلة » « 1 » . والواقع أننا عندما نجيب بالإيجاب على هذا السّؤال : « هل ما نزال « أحرارا » في قراراتنا ، مع وجود أمزجتنا ، وعاداتنا ، وأفكارنا ، وعواطفنا الرّاهنة ؟ » - فإننا نعلن بذلك أننا شيء مختلف ، أكثر من مجموع هذه المعطيات ، وأننا ما زلنا نملك فوق كلّ هذه الأنشطة الخاصة نشاطا آخر أسمى ، هو نشاط ذات محسوسة
--> ( 1 ) تعبيره بالفرنسية هو : une nature naturante , et non pas une nature nature ? e . ] ]