محمد عبد الله دراز

311

دستور الأخلاق في القرآن

وكلية ، قادرة على أن تنظم نفسها بألف طريقة مختلفة . ونزيد الأمر تأكيدا فنقول : إنّ إعلان هذا النّشاط ليس مع ذلك ادعاه لقدرة خيالية ووهمية ، وليس الأمر مطلقا أمر نقض كامل لعالم جواني ، ثمّ إعادة صنعه على حالة أخرى لم يكن عليها . وليس الأمر بالنسبة إلينا أنّ لدينا قدرة مطلقة على اختلاس عنصر ، أو مجموعة عناصر من كياننا ، أو منع حركتها ، أو عزل إرادتنا عن هذا المجموع ، لكي نمارسها في فراغ ، بلا دافع ، وبلا غاية . وليس المراد هو مواجهة الطّبيعة ، من حيث ما فيها من عنصر جوهري ، وحتمي ، بل مواجهتها من حيث ما فيها من عنصر مرن . قابل للتشكيل . ومما نعترف بضرورته إطلاقا أنّ كلّ نشاط إرادي يفترض وجود دافع يحركه ، وأنّ كلّ حركة تستهدف غاية تبلغها . بيد أنّ هذا الدّافع ، وهذه الغاية ليسا وحيدين في الطّبيعة ، ولا سيما عند اتخاذ قرار فيه قدر من التّدبر وإعمال العقل . إنّ ضلال الحتمية ( ميكانيكية ، وديناميكية ) لا يكمن في أنّها تستدعي صورة توازن في الدّوافع ، أو صورة دفعة من المزاج ، فأي إنسان يرقب أحواله بانتباه يفطن إلى هذا التّناوب في الأهداف الّتي تتبدى له مع الأسباب الّتي تؤيدها ، بصورة تتفاوت في درجة اختلاطها كما يحس في نفسه نوعا من التّردد الّذي لا يتوقف إلّا بعد اتخاذ القرار . ولكن خطأ كلّ نظرية طبيعية يكمن في أنّها تغفل « حدثا وسيطا ، يعتبر هو اللحظة الحاسمة في تخلق القرار » ، وذلك حين تصور لنا الإرادة على أنّها نتيجة مباشرة لهذه الحالات الخاصة ، أو على أنّها ازدهار تلقائي لجذورها العميقة . فالمرء لا يحمل على اتخاذ القرار بنفس الطّريقة الّتي تجعله يرفع يده « ليهرش » في المكان الّذي يحتاج فيه إلى « الهرش » ، حتّى لو