محمد عبد الله دراز
31
دستور الأخلاق في القرآن
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم تقديم الكتاب للأستاذ الدّكتور السّيد محمّد بدوي عشت مع هذه الرّسالة الجامعية مرتين : مرة أثناء تأليفها ، ومرة أثناء ترجمتها . أمّا عن تأليفها فقد كان ذلك في أوائل الأربعينات ، وكانت الحرب العالمية الثّانية قد بدأت تشتد وطأتها في أوروبا بعد هزيمة فرنسا ، وصحوة الحلفاء لوقف طغيان النّازي . وكنت مع الطّلبة العرب في باريس نلتمس في رحاب الأستاذ الجليل ما نحتاج إليه من رعاية في وقت الشّدة ، وكان هو يجمعنا في منزله في المناسبات الدّينية ، والقومية ليشعرنا بما افتقدناه من جو عائلي بسبب بعدنا عن الأوطان . وكنّا نجد عنده كرم الضّيافة العربية ، ونستمتع بأحاديثه ومناقشاته في شؤون الدّين ، والعلم ، والسّياسة . وكان رحمه اللّه لا يضيق بما نثيره من آراء متطرفة أحيانا ، بل يفندها بروح العالم المستنير ، وفي سماحة ورحابة صدر ، ولا يزال بنا حتّى يقنعنا بوجهة نظره المستندة إلى البرهان العلمي والمنطقي . ثم حظيت بشرف مصاهرته ، فازدادت صلتي به وثوقا ، ولمست عن كثب الجهود ، والخطط الّتي رسمها منذ أمد بعيد لنشر رسالة الإسلام في العالم الغربي . فعرفت أنّه كان قد أتقن الفرنسية إبّان طلبه للعلم في الأزهر الشّريف استعدادا لذلك اليوم الّذي يقوم فيه بواجبه العلمي ، والدّيني . فما أن وطئت قدمه أرض فرنسا حتّى بدأ في تحقيق