محمد عبد الله دراز

305

دستور الأخلاق في القرآن

ولقد سبق أن قررنا أننا لا نميل إلى الفكرة الشّائعة لدى المعتزلة ، فهذا النّوع من الاختيار المعتسف يجب في كلّ حال أن يستبعد من موضوعنا ، لا لأنّه أدنى درجات الحرية فحسب ، على ما قال ديكارت ، ولكن لأننا نرى أنّ الإرادة اللامبالية هي إرادة ناقصة ، فهي ليست سوى نصف إرادة ، والنّصف الآخر آلية وصدفة . فأنا عندما أقف في الصّباح أمام أزياء كثيرة ، كلّها لائق ، ومناسب للموسم - أجدني لحظة في اختيار محير ، ولكني تحت ضغط ساعة الرّحيل أعزم على اختيار واحدة ، أية كانت ، إنّ إرادتي لم تتصور هذا الزّي إلّا مع غض النّظر عن خصائصه ، ناظرة إليه على أنّه نموذج لفكرة عامة لم تحرم منها النماذج الأخرى . إنّ كلّ ما أحرص عليه هو أن آخذ زينتي باحتشام قبل الخروج ، وهذا الجانب من عملي هو بكلّ تأكيد إرادي ، وله علته . ولكني من النّاحية التّفصيلية عندما أقول : ( سواء على هذا أو ذاك ) أرفع يدي تلقائيا ، ولا يكون موضوع الاختيار هو ما أضعه أمامي . ويختلف الأمر عن ذلك في مجال الأخلاق ، ففي هذا المجال تكون الإرادة دائما مانعة . فهي سلبية ، وإيجابية في آن واحد . إذ أنني حين أرغب في هذا لا أرغب في ذاك ، وهو ما يقطع أساسا بافتراض باعث ، أيّا كان : « منفعة » أو « واجب » . والأمر كذلك في كلّ اختيار إرادي بالمعنى الصّحيح . ولقد فطرت

--> - بالمرجح التّام ، وإذا ناظروا الفلاسفة في مسألة حدوث العالم ، وإثبات الفاعل المختار ، وإبطال قولهم بالموجب بالذات سلكوا مسلك المعتزلة والجهمية في القول بأنّ القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح ، وعامة الذين سلكوا مسلك أبي عبد اللّه بن الخطيب ، وأمثاله تجدهم يتناقضون هذا التّناقض » . ( المعرب ) .