محمد عبد الله دراز
306
دستور الأخلاق في القرآن
النّفس على ألا تتم أي اختيار دون أن تجد فيه تناسبا معينا بين الإجراء الّذي تتخذه ، والهدف الّذي تبلغه ، « فالإرادة » بحسب تعريفها ، « هي السّعي وراء الغاية » . إنّ اعتبار الاستقلال خاصة مميزة للإرادة الإنسانية ليس إذن تخصيصا لها بالقدرة على أن تمارس ذاتها دون دافع ، أو غاية ، وعلى أن تقطع صلاتها بجميع قوى الطّبيعة الأخرى ؛ بل إنّ هذا الاستقلال لا يصح أن يتخذ ذريعة لقطع منابع هذه القوى ، أو إسكات الأصوات الّتي تحفز الإرادة . وإنّما يعنينا فقط أن نثبت أنّ الصّلة بين إرادتنا الخاصة ومزاجنا ، أو الطّريقة الّتي تعودناها في التّفكير ، أو الشّعور - لا تنبثق مطلقا من ضرورة حقيقية ، مهما يكن ما نقصد بكلمة ( ضروري ) . فأنا لست أميل إلى هذا الفريق ، أو ذاك بفعل الضّرورة المنطقية ، على طريقة سبينوزا ( علاقة اتحاد أو التحام ) ما دام الحل العكسي لا يستلزم تناقضا . ولست أفعل ذلك أيضا خضوعا لضرورة تجريبية ( علاقة سببية ، أو تسلسل أو علاقة تضامن وثيق ، لا ينفصم ) . فليس حقا ، على الرّغم مما يقوله سقراط ، وأفلاطون ، أنّ العلم بالخير الحقيقي يحتم إرادة فعل الخير ، لأنّ من الممكن فعل الشّر ، بسبب الضّعف ، مثلما يمكن تماما فعله بسبب الجهل . وليس حقا كذلك ، مهما يقل ليبنز ، أنّ الخير الّذي أدركه بذاتي يمنعني مطلقا من أن أفضل خيرا أتخيله فحسب ، فقد أفعل ما أكره ، وأحرم نفسي مما أحبّ ، وذلك مثلما أقبل مشروبا مرا على أمل بعيد في