محمد عبد الله دراز
275
دستور الأخلاق في القرآن
وهذا هو ما قاله الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم عن نفسه من أنّه في ذلك اليوم سوف يطلب تبرئة بعض النّاس الذين يعرفهم كأصحابه ، خلال حياته في الدّنيا ، فيقال له : « إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فيقول : سحقا سحقا » « 1 » .
--> ( 1 ) انظر ، صحيح البخاريّ : 5 / 2406 ح 6212 و : 6 / 587 ح 6643 ، صحيح مسلم : 1 / 218 ح 248 و : 4 / 1793 ح 2290 ، مسند أحمد : 2 / 300 ح 7980 وص : 408 ح 9281 ، و : 3 / 28 ح 11236 و : 5 / 333 ح 22873 و 22924 ، الموطأ للإمام مالك : 2 / 462 ح 32 ، سنن ابن ماجة : 2 / 1439 ح 4306 ، مسند الرّوياني : 2 / 192 ح 1022 و 1054 ، مسند أبي يعلى : 11 / 388 ، المعجم الكبير : 23 / 413 ح 997 ، التّرغيب والتّرهيب : 4 / 206 ح 5419 ، البيان والتّعريف : 1 / 296 ، فتح الباري : 11 / 385 ، مصابيح السّنة : 3 / 537 ح 4315 ، تفسير القرطبي : 4 / 168 ، صحيح ابن خزيمة : 1 / 6 ح 6 ، سنن البيهقي الكبرى : 4 / 78 ح 362 ، مسند عمر بن الخطاب : 1 / 87 ، المعجم الأوسط : 8 / 307 ح 8714 ، شرح النّووي على صحيح مسلم : 3 / 19 و 136 - 140 و : 15 / 310 ح 2291 ، فيض القدير : 3 / 45 و : 5 / 353 ، السّنن الأبين : 1 / 176 ، مسند أبي عوانة : 1 / 122 ح 362 . وهذا لا يعني كلّ الصّحابة قد أحدثوا بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، بل منهم من تشتاق إليه الجنّة ، وقد أثنى اللّه سبحانه وتعالى عليهم ، والرّسول صلّى اللّه عليه وآله في أحاديثه ، وأنّهم المقصودون في الثّناء : أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً الفتح : 29 . هؤلاء قاموا بمعالم الرّسالة ، وبذلوا النّصيحة ، وهذّبوا الطّرق ، وأذلّ اللّه بهم الكفر ، والشّرك ، وصارت بهم كلمة اللّه هي العليا ، وكلمة الّذين كفروا السّفلى . فصلوات اللّه عليهم ، وعلى أرواحهم الطّاهرة بعد ما كانوا في الحياة أولياء ، وبعد الممات أحياء . وها هو دعاء الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السّلام لهم حيث يقول : لقد رأيت أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه وآله فما أرى أحدا يشبههم منكم ، لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا ، وقد باتوا سجّدا وقياما ، يراوحون بين جباههم وخدودهم ، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم ، كأنّ بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم ، إذا ذكر اللّه هملت أعينهم حتّى تبلّ جيوبهم ، ومادوا كما يميد الشّجر يوم الرّيح العاصف ، خوفا من -