محمد عبد الله دراز
276
دستور الأخلاق في القرآن
وهكذا نجد أنّ الحكم يصدر دائما تبعا لفضائل المحكوم عليه ، لا على أساس التّوسلات . ومهما بذلنا من جهود مضاعفة ، ودعوات ورجوات من أجل من نحبهم ، أو نعطف عليهم ، فلا يعدو ذلك أن يكون لفتة جميلة ، وهو واجب علينا ، ولكن ليس هذا هو الّذي سينقذهم . فإذا ما بلغت جهودنا غايتها ، واستجيبت دعواتنا ، فذلك لأنّهم يستحقون رضا اللّه ، تبعا لشرائعه ، ولم تكن دعواتنا سوى فرصة تتجلى فيها الإرادة المقدسة ، الّتي كانت حتّى ذلك الحين محتجبة . ولسنا نجد في أي مكان في القرآن الكريم ثوابا مستعارا ، أو زينة مزيفة ، أو عنوانا على فراغ جواني ، فليس ثوابا إلّا ما كان ثمرة ناضجة لموقفنا المتعاطف تجاه شرع اللّه . ومع ذلك فلا ننسى أنّ هذا الموقف قائم على الكيف ، أكثر منه على الكم ، فاللّه يقول : قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ « 1 » ، ولما كانت هذه القيمة الكيفية متعلقة بألف شرط ، فإنّ العمل الجواني بخاصة هو الّذي يصل إلى أعلى درجاتها ، ولذلك قال الرّسول : « التّقوى هاهنا » ، وهو يشير بإصبعه إلى قلبه « 2 » ، ومن أجل هذا لا نملك القول مسبقا بأنّ عملا معينا ستكون له هذه الميزة
--> - العقاب ، ورجاء للثواب . ( نهج البلاغة تحقيق الدّكتور صبحي الصّالح : 143 ) . ويقول عليه السّلام : أين إخواني الّذين ركبوا الطّريق ، ومضوا على الحقّ ؟ أين عمّار ؟ وأين ابن التّيّهان [ أبو الهيثم مالك بن التّيّهان ] ؟ وأين ذو الشّهادتين [ خزيمة بن ثابت الأنصاري ] ؟ وأين نظراؤهم من إخوانهم . . . الّذين تلوا القرآن فأحكموه ؟ وتدبّروا الفرض فأقاموه ، أحيوا السّنّة ، وأماتوا البدعة ، ودعوا إلى الجهاد فأجابوا ، ووثقوا بالقائد فاتّبعوه . ( المصدر السّابق : 264 ) . ( 1 ) المائدة : 100 . ( 2 ) انظر ، صحيح مسلم : 4 / 1986 ح 2564 ، مكارم الأخلاق للطبرسي : 469 ، جامع العلوم والحكم : -