محمد عبد الله دراز

263

دستور الأخلاق في القرآن

مسؤولون من وجهين ، لأنّهم كذلك مذنبون من وجهين . والمجرم الّذي يقترف كثيرا من الفواحش لا يمكن بداهة أن يعامل بنفس الطّريقة الّتي يعامل بها من لم يرتكب سوى واحدة ، واللّه يقول : الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ « 1 » . وفي مقابل ذلك ، كلّما عدمت علاقة السّببية ، أو التّوسط بين مسئولين كثيرين وجدنا المسؤولية تنكمش ، وتتفرد ، بالمعنى الدّقيق للكلمة ، وهو قوله تعالى : لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ « 2 » ، وقوله : قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ « 3 » ، وقوله : قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ « 4 » . وإذا كان الأمر كذلك فليس هناك أثر من التّعارض ، حتّى ولا الاستثناء ، الّذي يرد على القاعدة العامة . ولسوف تقدم لنا دراسة هذه الحالة الأولى - بالعكس - بعض التّحديد للطريقة الّتي يتصور بها الإسلام المسؤولية الفردية . إنّها فكرة واسعة جدا ، أكثر اتساعا من جميع النّصوص الّتي تثيرها . فالإنسان ليس مسؤولا فقط عن الأعمال الّتي يدعو إليها في صورة تدخل إيجابي ومباشر لدى الآخرين ، حين يصدر إليهم أوامر ، أو نصائح ، أو ايحاءات ، وليست المسؤولية فقط هي مسؤولية القدوة الّتي تأتي من أعلى لتنتشر بين الجماهير ، بفضل مهابة صاحبها وحدها ، بل إنّ كلّ مبادرة ، حسنة ، أو سيئة ، من أية جهة كانت ، سيكون

--> ( 1 ) النّحل : 88 . ( 2 ) الشّورى : 15 . ( 3 ) هود : 35 . ( 4 ) سبأ : 25 .