محمد عبد الله دراز
207
دستور الأخلاق في القرآن
المسيحية كثيرا ؟ وما رأي « كانت » نفسه في هذا ؟ هكذا تبطل المقابلة بين العام ، والأخلاقي ، في وجهها المزدوج ، الإيجابي والسّلبي ، وليس يغض من صدق هذا القول أنّ هناك علاقة ضرورية بين الملزم ، والعام ، وهي علاقة من طرف واحد ، سوف نتولى بعد قليل بيان معناها ، وأهميتها . المرحلة الثّانية : بيد أنّ « كانت » لا يقتصر على تقرير عمومية واجباتنا ، كواقع حسّي ، وتجريبي ، واحتمالي . وهو لا يكتفي كذلك بنصف تجريد ، يجعل من العقل الإنساني قوة للقانون العام . . إنّه يمضي إلى أبعد من ذلك كثيرا ليصل إلى الجوهر الحقيقي للعقل العملي في ذاته ، وهو يقدم لنا القانون الأساسي لهذا العقل المحض ، على أنّه مطلب لا غنى عنه ، ليس لقاعدة أو أخرى « محددة للقيام بأعمال معينه » « 1 » فحسب ، بل لتشريع شامل عموما . ويؤكد لنا أنّ قانونا بهذا الشّكل ، وبهذه الشّمولية البالغة التّجريد - هو الّذي يحقق الصّفة الجوهرية للقانون الأخلاقي ، ولا يمكن مطلقا أن تكون له صفات أخرى إذا أريد للواجب ألّا يكون « مفهوما وهميا » . ويقول لنا « كانت » : إنّه لم يصل إلى مذهبه الشّكلي عن طريق حاجة فلسفية إلى التّجريد ، أو تقليدا للشكلية المنطقية لدى أرسطو ، وإنّما على أساس اعتبارات أخلاقية ذات أهمية بالغة ، وعن طريق منطق الأخلاقية ذاته ؛ لأنّه -
--> ( 1 ) انظر ، 1 - Kant : Fondement . p . 103