محمد عبد الله دراز

206

دستور الأخلاق في القرآن

الأعمال تهمة ، إن لم يكن بحكم الضّمير العادي ، فعلى الأقل في نظر الحكمة الكانتية ذاتها . فلنختبر ، مثلا ، شعور أولئك الذين يرتكبون مخالفات تتفاوت في خطورتها ، ضد القانون الأخلاقي : « الطّبيب الّذي يخدع مريضه ليشفيه ، والمحسن الّذي يرتكب كذبة بريئة لينقذ حياة ، والإنسان المرهف الحس الّذي يؤثر أن ينتحر على أن لا يتحمل عارا . . ) - ألّا يعطي هؤلاء لسلوكهم قيمة قانون عام ، يجب أن يطبق على جميع النّاس الذين يوجدون في نفس الظّروف الّتي وجدوا هم فيها ؟ ثم ما ذا ؟ ! هذا الإنسان الوقح الّذي يرتمي في أحضان الفسق الدّاعر ، هل يحس بأدنى عيب في أن يقتدي النّاس به ؟ أوليس هناك بعض النّاس يريدون أن يخلعوا صفة القانون العام على العري ، وجميع آثاره اللاأخلاقية ؟ ! بيد أنّ هناك ، على عكس ذلك ، قواعد للسلوك لا يمكن أن ترتفع إلى درجة العمومية ، دون أن تتعارض في ذاتها ، أو دون أن تعرّض الطّبيعة الإنسانية للخطر ، ومع ذلك لا نستطيع أن ننسبها إلى اللاأخلاقية . ولنفترض أنّ إنسانا ما جعل موقفه في الحياة أن يبلغ درجة من الكمال لم يبلغها أحد دونه . فليس التّعميم وحده هو الّذي يهدم هذه الفكرة ، بل إنّ أقل قدر من التّوسع فيها يهدمها تماما ، إذ أنّ التّفوق لن يصبح تفوقا . فهل من العقل أنّ نصف هذه الغاية بأنّها شرّ من النّاحية الأخلاقية ؟ وإليك مثلا آخر : التّبتل عن الزّواج . . ولنترك جيلا إنسانيا واحدا يفرض على نفسه إلزاما بهذا التّبتل . . إنّ آخر حيّ من هذا الجيل سوف يشهد حتما نهاية الإنسانية ، فهل يمكن أن نصف بالإجرام موقف هذا المتبتل ، وهو موقف مدحته