محمد عبد الله دراز
205
دستور الأخلاق في القرآن
في ناحية من نواحي حياته اليومية : وهي أن يسير وراء أهوائه البريئة الّتي يجوز التّرخّص في إرضائها ، وحينئذ نجد أنّ السّلوك الحسن أخلاقيا ، والسّلوك المحايد أخلاقيا قد أصبحا غير متميزين ، بحسب المفهوم الّذي يقول : « بإمكان تعميم مثل هذه القاعدة » - ليس هذا فحسب ، ولكن الواجب قد هبط إلى مستوى مجرد المباح ، لأنّه شتان بين أن نقول : إنّ التّشريع يجب أن يكون عاما ، وبين أن نقول : إنّه يمكن أن يكون كذلك . ولما كان هذا الاختلاف هو الّذي يتميز به السّلوك « الملزم » من السّلوك « الجائز » فقط ، فإنّ الصّيغة الكانتية شأنها شأن الصّيغة السّوقية [ Vulgaire ] الّتي تعتزى إليها - عاجزة عن تقديمه . ومعلوم من ناحية أخرى بأية عناية ميز « كانت » بين طائفتين من قواعد السّلوك الّتي تدور حول الواجب « كإسداء الخير للغير » : الطّائفة الأولى : تأمر بالامتثال للواجب ، لا أكثر ، « أي ، مهما يكن الدّافع : استعداد طيب ، أو مزهوّ ، أو ذو مصلحة . . . » والأخرى : تشترط في الوقت نفسه تحديد الواجب بفكرة الواجب . ولما كان واضحا أنّ مقياس العمومية ، سواء أكان ممكنا أم ضروريا ، لا يوضح لنا هذه الفروق الطّفيفة مع أهميتها القصوى ، فإنّ التباسا آخر يحدث هنا ما بين الأخلاقية ، والشّرعية [ Moralite ? et le ? galite ? ] . بيد أنّ الالتباس الأسوأ هو الالتباس الّذي يحدثه هذا « المحكّ » المزعوم في الضّمير الفردي ، حين يمنحه الحقّ في أن يطلق وصف « الخير الأخلاقي » على كلّ سلوك يريد ببساطة رفعه إلى مرتبة القانون العام ، حتّى لو كان من أكثر