محمد عبد الله دراز

202

دستور الأخلاق في القرآن

يخدع خفية فلن يكون ذلك سببا في أن يسلك كلّ النّاس نفس السّلوك ، وإذا ما نظر أحدنا بلا مبالاة كاملة إلى بؤس الآخرين فلن يترتب على ذلك أن يقف النّاس جميعا نفس الموقف من بؤسه » « 1 » . ب - ولكن من أين يأتي هذا الطّلب الحثيث لعمل مثالي لا يوجد له نموذج في التّجارب ؟ ويجيب مؤسس مذهب : الشّكلية العملية pratique ] [ Formalisme بقوله : « يأتي ذلك من أنّ « القانون الأخلاقي » ينقلنا بطريقة مثالية إلى مجال مختلف تماما عن مجال « القانون التّجربي » ، فهو يشركنا في عالم ذهني صرف ، حيث بتجلى استقلال الإرادة ، لا في نوع من الاستقلال عن قانون الطّبيعة المحسوسة ، وحسب ، فذلك ليس سوى وجه سلبي للحرية ، ولكن كذلك في أنّ هذه الإرادة تضع لنفسها قانونها . هذا القانون ينبغي أن يكون قانون عقل محض ، أي : بحيث لا يكون متحررا فقط من تأثير أي ظرف تجريبي ، أو حدس [ intuition ] ، أو أية مادة ، بل يكون أيضا قادرا على تحديد الإرادة بطريقة قبلية [ Apriori ] ، ذلك أنّ العقل المحض إنّما كان كذلك لأنّ شأنه في استعماله العملي كشأنه في استعماله النّظري : « هو عقل واحد ، يحكم طبقا لمبادئ قبلية » « 2 » . ولما كنّا لا نجد غير الشّكل المحض لتشريع عام ، هو الّذي يستطيع أن يحدد الإرادة تحديدا قبليا - وجب لهذا أن يتكيف كلّ حكم مع هذا الشّكل ، وإلا أصبح

--> ( 1 ) انظر ، 1 - Kant : critique de la R . pratique , p . 71 - 2 . ( 2 ) انظر ، 1 - Kant : Crit de la R . prati . p . 130 .