محمد عبد الله دراز

174

دستور الأخلاق في القرآن

الأعمال التّعبدية ، كقيام اللّيل في الصّلاة ، وإنّما هو ينصحنا بعدم التزام هذا الغلوّ ، ويفصح عن بعض مساوئه . فمن المعلوم أنّ النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان في بداية رسالته مأمورا أن يقوم شطرا كبيرا من اللّيل في الصّلاة ، وترتيل القرآن ، وهو قوله تعالى : قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا « 1 » ، وقد سار على هدي النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعض صحابته ، حيث اعتادوا أن يفعلوا ما يفعل . وها نحن أولاء نقرأ في نهاية السّورة ذاتها درسا موجها إلى هذه الطّائفة من القائمين بالليل ، يلفت أنظارهم إلى أنّهم لن يستطيعوا أن يداوموا على هذه الشّعيرة في ظروف معينة ، كالمرض ، والسّفر ، والجهاد . ثمّ يأمرهم أن يكون قيامهم بالليل بقدر ما تسمح أحوالهم : فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ « 2 » . وقد ظهرت هذه الرّوح - الّتي ترى الإفراط في التّحنث - لدى بعض الصّحابة في المدينة - فلم تواجه بأقل مما سبق ، باعتبارها انحرافا مناقضا لروح الشّريعة . وينتج من مجموع النّصوص القرآنية والنّبويّة المتعلقة بهذا الموضوع أنّ الإسلام يعلق أهمية كبيرة على بعض الأوامر الّتي لا ينبغي أن يغفل عنها امرؤ تقي ، وربما كان إغفالها هو النّتيجة الطّبيعية لهذا الإفراط . فقد رأينا أنّ الإنسان ليس عليه فقط أن يتحفظ من إطالة عبادة ، ربما تعوقه في أداء الواجبات الأخرى ( كالتجارة ، والجهاد ) ، ولكن العمل العبادي نفسه لا ينبغي أن يتحول إلى نوع من الآلية ، الّتي لا يحس المرء معها إحساسا واضحا بما

--> ( 1 ) المزمل : 2 - 4 . ( 2 ) المزمل : 20 .