محمد عبد الله دراز
169
دستور الأخلاق في القرآن
على الضّدين إلّا تباعا ، فإذا ما شغلت بأحدهما بقي الآخر محالا ، ما دام الأوّل في طريق التّحقق . فالذي يخالف الأمر ، ويستخدم نشاطه في مناقضته هو حينئذ غير قادر على الطّاعة ، في حين يمارس المعصية ، وهو مع ذلك ، مكلف في اللحظة ذاتها بأن يؤدي واجبه ، وبهذا يكون عدد الحالات الاستثنائية الشّاذة - أعني : الّتي يكون موضوع التّكليف فيها أمرا لا يقبل التّحقق - مساويا على الأقل لعدد الحالات السّوية . ولكن من ذا الّذي لا يرى في هذا الكلام سفسطة خالصة ؟ . . الواقع أنّ أحدا لا يمكن أن يفكر في تفسير الأمر الموجه إلى عاص ، باعتباره تكليفا له بأن يطيع ، في الوقت الّذي يعصي . فقد وضح إذن أنّ الهدف هو إلزامه بأن يكف عن المقاومة ، وأن يتيح لنشاطه بديلا أخلاقيا . فإذا ما أصروا على أن يخلعوا صفة ( المحال ) على عمل كهذا فلن تكون هذه سوى مشكلة زائفة ، وإذا لم يكن الخصمان قد اتفقا على تحديد المراد من الكلمة ، فإنّهما متفقان بهذا على الوقائع ذاتها ، وعلى المبدأ الّذي ندافع عنه اتفاقا كاملا « 1 » . ب - اليسر العملي : ها نحن أولاء قد أقصينا من مجال التّكليف كلّ ما لا يمكن أن يخضع خضوعا مباشرا ، أو غير مباشر ، لقدرتنا . ومع ذلك ، فهذا الإقصاء لا يمكن أن يكون وقفا على الأخلاق الإسلامية ، بل يجب أن نعتبره السّمة المشتركة بين جميع المذاهب
--> ( 1 ) انظر ، تفسير الميزان للسيد الطّباطبائي : 6 / 352 و 355 و : 10 / 369 ، لتجد بحثا مفصلا عن الحرية .