محمد عبد الله دراز
170
دستور الأخلاق في القرآن
الأخلاقية العادلة ، والمعقولة ، ولا سيّما الأخلاق الموحاة كلّها ، من حيث كان بدهيا أن عكس هذه الأخلاق غير متوافق مع العدالة ، والحكمة الإلهية . ومضمون النّصوص السّالف ذكرها يؤكد هذه الملاحظة ، إذ هو يقدم لنا في الواقع هذا الشّرط في صورة مؤكدة ، شديدة العموم ، حتّى ليحق لنا أن نفسرها على أنّها تعبير عن قانون التزمت به الذات الإلهية نفسها ، وهو صادق بالنسبة إلى جميع النّاس ، في جميع الأزمان . وإليك الآن نصوصا أخرى لا تقتصر على نفي كلّ ما هو مستحيل على سبيل الإطلاق - من الأخلاق الإسلامية ، وإنّما هي تنفي عنها كذلك كلّ تكليف لا تقر العادة إمكان تحمله ، كما تنفي كلّ مشقة يمكن أن تستنفد قوى الإنسان ، حتّى لو كانت في حدود طاقتها . يقول اللّه سبحانه : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ « 1 » ، ويقول : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ « 2 » ، ويقول : يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ « 3 » ، ويقول : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ « 4 » . ففي هذه الكلمات نسمع نغمة جديدة تماما ، إذ أنّه على حين أنّ الشّرط الأوّل ، وهو الإمكان ، كان يساق على أنّه حقيقة أبدية ، مستقلة عن المكان ، وعن الزّمان - لا نصادف هنا سوى أقوال مقيدة ، تقدم لنا هذا الطّابع الثّاني : اليسر ، على أنّه واقع تاريخي ، متصل بالأمّة الّتي يتوجه إليها الخطاب ، أعني :
--> ( 1 ) البقرة : 185 . ( 2 ) الحجّ : 78 . ( 3 ) النّساء : 28 . ( 4 ) الأنبياء : 107 .