محمد عبد الله دراز
168
دستور الأخلاق في القرآن
يغير جوهر الأشياء ، فضلا عن واقعها ، إنّه يسجل هذا الواقع ، ثمّ يحكيه ، ويعبر عنه ، ولو كان كلّ ما علم اللّه أنّه لا يوجد - « مستحيلا » لوجب القول - لنفس السّبب - بأنّ كلّ ما علم اللّه أنّه يوجد « ضروري » . فما ذا بقي في الكون إذن لتتحقق فيه الإرادة الإلهية ؟ . وأمّا الاستدلال الثّاني : فهو يقوم كذلك على خلط منطقي بين نوعين من القضايا ، أحدهما قائم بذاته ، والآخر معلق بغيره ؛ فالإيمان وعدم الإيمان - قضيتان متناقضتان ، مفترض أنّهما قد استوفتا كلّ الصّفات المطلوبة . ولكن إيمان الفرد ، بأنّه لن يؤمن أبدا - حدث واقعي بالنسبة لمن لا يؤمن ، ما دام أنّه يحسه في نفسه ، ويعرفه بالتجربة المباشرة ، والشّخصية . وحين أخفقت كلّ محاولات الأشاعرة في هذا المجال القرآني ، وجهوا بحوثهم إلى مجال أكثر رحابة ، وأعظم اعتمادا على العقل الخالص ، وها هم أولاء يريدون أن يبرهنوا لنا على أنّ التّكليف بالمحال هو من جانب معين قاعدة عامة ، أكثر من أن يكون قاعدة خاصة في الشّرع الإلهي . ويقف خصومهم المعتزلة ليدافعوا عن الحرية الإنسانية مقدمين إياها على العمل ، حين يكون لكلّ امرئ أن يجرب قدرته المزدوجة على أن يعمل ، أو يمتنع عن العمل . ويعترض الأشاعرة على هذا بأنّ القدرة كانت قبل العمل احتمالا ، والقدرة الفعلية مصاحبة للعمل « 1 » ، من حيث إنّه لا يمكن أن تمارس هذه القدرة تأثيرها
--> ( 1 ) قارن هذا بنظرية برجسون عن الحرية ، القائمة على عدم القدرة على التّنبؤ بالعمل ، وعلى ديناميكية الذات الفاعلة .