محمد عبد الله دراز

164

دستور الأخلاق في القرآن

فالأشاعرة حين أرادوا أن يقارعوا البراهين بالبراهين ، قصروا أوّلا عن أن تكون لهم أرضية فلسفية ثابتة ، وهي على كلّ حال أقل خطرا ، أعني هذا الموقف السّلبي الّذي يقوم على رفض الاحتكام إلى العقل في مثل هذه المشكلات ، باعتبار أنّه لا يصح قياس العقل المتناهي بالأشياء اللامتناهية . أمّا في الجانب الإيجابي فإنّهم قد أخطئوا حلا ليس بأقل حكمة ، وهو حلّ بناء وقرآني بحقّ ، يوفق بين الصّفات المتعارضة ، دون أن يغفل واحدة منها ، أو يغلو في الاعتماد عليها ، والأخذ بها . فالقرآن يعلمنا من جانب حقيقة هي : إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ « 1 » ، فهل من الممكن أن نفهم هذه العبارة على أنّها تحكم واستبداد مطلق ؟ . . على حين يؤكد القرآن لنا من جانب آخر : وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ « 2 » ؟ . . وها هو ذا نفس التّقابل بين الصّفات في صورة أخرى . فهو يقول في نصّ من نصوصه : عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ « 3 » ، ولكنه يقول في نفس النّص : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ « 4 » . ويقول في آية أخرى : ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً « 5 » . وكذلك الحال حين يعلن أنّ اللّه قادر على أن يهلك النّاس جميعا ، الطّائعين مع

--> ( 1 ) المائدة : 1 . ( 2 ) غافر : 20 . ( 3 ) الأعراف : 156 . ( 4 ) الأعراف : 156 . ( 5 ) النّساء : 147 .