محمد عبد الله دراز

165

دستور الأخلاق في القرآن

المذنبين : قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً « 1 » ، أو حين يعلن أيضا أنّ شيئا في هذا الكون لا يستطيع أن يعارض ما فرض علينا من التّكاليف الشّاقة ، ولا ما ابتلانا به من تصاريف مغمّة : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ « 2 » . . أليس واضحا أنّ هذه الصّورة الشّرطية لم تتغير مطلقا إلى مضارع الحال ؟ . . ومن الممكن كذلك أن نؤكد أنّها لن تتغير أبدا من حيث إنّ اللّه سبحانه قال : كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ « 3 » . . وإذن ، فبدلا من أن يؤكد الأشاعرة القدرة الإلهية الكاملة ، الّتي غاب عن المعتزلة تأكيدها ، وبدلا من أن يجعلوها في مقابل الحكمة الّتي حاول المعتزلة إبرازها - نجدهم بدافع الحمية ، وقلة الحنكة النّظرية - قد ألغوا تقريبا الحكمة من أجل القدرة . بحيث لم يحتفظوا منها إلّا بالاسم وحسب . فعند ما نجد عملا محكم التّدبير ، كامل التّنظيم ، بحيث يكون لكلّ جزء وظيفته داخل المجموع ، أو عندما نرى أنّ واقعا قد انته إلى نتائج طيبة ، فإنّ العادة قد جرت على أن نفسر الأمور بعضها ببعض ، وأن نحمل هذه العلاقة في المكان ، أو في الزّمان ، وهذا التّضامن البنائي ، أو هذا التّتابع التّأريخي ، على غاية مقصودة . قال الأشاعرة : هذا تشبيه ! ! فإنّ هذا التّفسير الإنساني لا يصدق على الأمر الإلهي ، حيث لا موضع لافتراض وجود غاية ، بحسب مذهبهم ، واللّه يفعل ما

--> ( 1 ) المائدة : 17 . ( 2 ) البقرة : 220 . ( 3 ) الأنعام : 12 .