محمد عبد الله دراز

163

دستور الأخلاق في القرآن

من هذا القبيل ، لا يقدر اللّه سبحانه على فعله ، ولا يجوز أن يفعله . ومن هنا جاء ، فيما جاء عنهم ، القواعد الآتية : لا يجوز أن يخلق اللّه سبحانه شيئا دون أن يقصد إلى غرض نافع بالنسبة إلى المخلوق ، وهو ما يطلقون عليه : ( رعاية الصّلاح ) ، كما أنّه يجب أن يحقق من بين الخيرين الممكنين أكثرهما نفعا ، وهو عندهم : ( رعاية الأصلح ) . وليس للّه سبحانه أن يتدخل في أعمالنا الإرادية ، لا من أجل فرضها ، ولا من أجل منعها ، وفي مقابل ذلك يجب أن يزودنا بقدرة متكافئة لفعل النّقيضين ، ثمّ يتركنا نختار اختيار حرّا فيما بينهما ، فمن أطاع وجب على اللّه أن يثيبه ، ومن عصا اللّه دون أن يتوب ، وجب على اللّه أن يعاقبه ، دون أن يغفر له ، وإلّا أرتكب ظلما . وسواء أكان الأمر يتعلق بطبيعة واجباتنا نحو اللّه ، أم نحو أنفسنا . . أم نحو الآخرين . . فإنّ هذه الواجبات تصدر بالضرورة عن طبيعة الخير والشّر . ولدينا عن هذه الطّبيعة معرفة فطرية تقريبا . وحتّى لو أننا افترضنا أن اللّه سبحانه لم يكن قد أظهر إرادته في الكتب المنزلة ، ولم يوح أوامره إلى الرّسل ، فمن المؤكد أننا كنّا سنعرفها ، ثمّ نكون ملزمين بإتباعها ، وليس للكتب ولا للرّسل من مهمة سوى إثبات آرائنا العقلية وإيضاحها . فمن أجل مقاومة هذا الاغترار الشّاطح ، وهذه الثّقة المتضخمة بالعقل الإنساني ، هبّ الأشاعرة يناهضون أفكار المعتزلة ، فكرة فكرة ، حتّى وجدنا أنّ روح المراء قد أدت بهم أحيانا إلى أن ارتكبوا تطرفا مضادا .