محمد عبد الله دراز
155
دستور الأخلاق في القرآن
يكفيها في ذاتها لكي توجد في الواقع في فكرة الموجود الكامل عند « ديكارت » . إذ أنّ المفهوم الأخلاقي لا يمكن أن يندمج في الواقع إلّا بوساطة نشاط فاعل مريد وحرّ ، ولكنها ( أي الضّرورة الأخلاقية ) متصورة بوساطة هذا الفاعل كقيمة جديرة أن تتحقق ، وحافزة لإرادته على أن توجدها . وفي كلمة واحدة : فإنّها الإلحاح على مثال أعلى عملي يطلب حقه في الوجود الفعلي . بهذه الفكرة عن القيمة العملية نترك مجال الخصائص العامة المشتركة بين جميع القوانين ، لننتقل إلى الخصائص النّوعية للقانون الأخلاقي . لقد أدرك « كانت » ، بفضل تعمقه الفكري الملحوظ ، الاختلاف الكبير الّذي يفصل أساسا القاعدة الأخلاقية عن جميع القواعد الأخرى العملية . ويكمن هذا الاختلاف في الفكرة الأرسطية عن « الغاية » و « الوسيلة » ، ويعني الاختلاف بين ما ينبغي أن نسعى إليه « لذاته » ، أو « لشيء آخر » . وإنّها لفكرة خصبة ، تلك الّتي عرف « كانت » كيف يستخدمها لحسن الحظ ، والّتي نتناولها بدورنا ، حين نستخرجها من مذهب « كانت » الشّكلي . والواقع أنّه على حين أنّ فن الحياة بما أشتمل من قواعد الحذق ، والفطنة لا يتطلب نشاطنا بشكل جاد ، إلّا بناء على هدف محبب ، فإنّ القانون الأخلاقي وحده هو الّذي يفرض النّشاط لذاته ، أعني : بموجب القيمة الذاتية الّتي يتضمنها . فأمر الواجب هو وحده الّذي يمكن أن يسمى « إلزاما » بالمعنى الحقيقي . أمّا الأوامر الأخرى فهي ليست سوى نصائح مجردة ، تدل على الوسائل لمن أراد أن يبلغ الغاية . ولسوف ندع جانبا - مؤقتا - مسألة معرفة ما إذا كان الإنسان قادرا دائما على