محمد عبد الله دراز

156

دستور الأخلاق في القرآن

تصور واجبه في تجرد كهذا . لسنا نتكلم الآن من وجهة نظر الفاعل ، ولسوف نناقش فيما بعد « 1 » النّظرية الّتي تجعل من هذا الإخلاص المثالي في نيّة الإنسان ، واجبا صارما . لكنا نؤيد فقط « كانت » فيما ذهب إليه ، من أنّه لما كان كلّ اعتبار للنتيجة غريبا عن فكرة الواجب ، فإنّ القانون الأخلاقي من حيث هو لا حاجة به مطلقا لأية قيمة خارجة عنه ، يسوغ بها أمره . وإنّما ينبغي ، بل ويكفيه لكي يؤكد سلطته ، أن يقدم لنا العمل على أنّه إلزامي ، وحسن في ذاته ، بقطع النّظر عن أية نتيجة مستحسنه ، أو مستهجنة . فإذا ما أحللنا أحد هذه الاعتبارات محل الآخر أنقلب نظام الأمور ، ولم يعد عملنا ذا صلة بعمل الأخلاقيين . بيد أنّه إذا كان حقا أنّ أي نشاط يمكن أن يكون عادلا ، ونافعا ، ومستحسنا في آن ، فليس محظورا على المشرع أن يضاعف الأسباب المسوغة لنظامه ، ولكنه لن يكون حينئذ قد اقتصر على دور الأخلاقي ؛ وإنّما هو يضيف إلى هذا الدّور أشياء أخرى ليست مع ذلك متعارضة . وأي مرب حاذق يجب أن يلجأ إلى هذه الطّريقة ليضمن فاعلية تعليمه . ولسوف تزداد مبررات هذه الإضافة كلما اتصلت بتربية المبتدئين ، فأمّا إذا ما حققت الحاسة الخلقية بعض التّقدم فإنّها تصبح بالتدريج أكثر نقاء ، لتكتفي في النّهاية بذاتها ، وبهذا المنهج التّدريجي يبدو لنا أنّ القرآن قد سار في تعليمه الأخلاقي « 2 » .

--> ( 1 ) انظر ، فيما بعد الفصل الرّابع - الفقرة الثّانية - ب . ( 2 ) انظر ، فيما بعد : الفصل الثّالث - الخاتمة .