محمد عبد الله دراز

154

دستور الأخلاق في القرآن

تستطيع تماما - كما يفعل المولع بالمخاطرة - أن تقر نظاما عاما ، يكون امتداده قابلا ليؤثر فيما نطلق عليه اصطلاحا كلمة ( إرادة ) ، وهي ليست سوى حساسيتنا ، أو قدرتنا على الرّغبة . وعلى هذا النّحو فإنّ القاضي ( يريد ) ، ويرى عقوبة المذنب عدلا ، بصفة شاملة ، وإن كان ( لا يحب ) أن يكون هو نفسه معاقبا عند الاقتضاء . وعود إلى مثال الوعد الكاذب لنتساءل : ألّا يتضمن السّماح للآخرين بأن يخدعوا النّاس - أن يدّعي الكذاب الدّاهية أنّ بوسعه أن يفسد أحابيلهم ، ويفلت من شراكهم ، دون أن يحتاج إلى الخروج على مبدئه ؟ ولكن سوف يقال لنا : ألسنا حين ألغينا الثّقة في الكلمة المعطاة قد أتحنا لمبدأ الوعد الكاذب أن يدمر فكرة الوعد ذاتها ، وهي الّتي تفترض إمكان الوثوق بالغير ؟ . . إنّ من السّهل أن نكشف عن الحيلة الّتي تسلك بها في الخفاء أفكار كثيرة في فكرة واحدة . وبرغم كلّ ذلك فإنّ فكرة الوعد ليست لأجل هذا متناقضة ، لا في جوهرها ، ولا في وجودها ، ولا في إمكان أن تؤثر على بعض العقول ، ما دام في النّاس مخدوعون . وإنّما يطرأ التّناقض في اليقين بنهايتها ، فنحن على ذلك بعيدون جدا عن أية ضرورة منطقية . إنّ ما هو ضروري منطقيا يتمثل لنا حقيقة تحليلية ساكنة [ Statique ] ، وذلك هو اتفاق الفكرة مع ذاتها ، على حين أنّ الضّرورة الأخلاقية هي بالأخرى ذات طابع تركيبي متحرك [ Dynamique ] ، فهي تصف علاقة بين مجالين مختلفين ، وذلك هو سعي الفكرة نحو كينونتها كما هي الحال . وليس معنى ذلك مطلقا أنّ جوهرها