محمد عبد الله دراز

153

دستور الأخلاق في القرآن

فبدلا من القول « بالتناقض » نجد أنّ بعض من يرى تسمية الأشياء بأسمائها يقول فقط : إنّه « تعويق » ، أو « إخفاق » . فهو تعويق للمثل الأعلى الّذي ينزع إلى التّدخل في الواقع ، ولكنه يجد نفسه ممنوعا منه ، وهو إخفاق للضمائر الأخلاقية في انتظارها للقيمة . لسنا نريد أن نتلعب بالكلمات ، وليطلقوا ما يشاءون على هذا العمل ، الّذي لم تعد به الوديعة وديعة ، فإنّ ما يثبت أنّ الخطأ الأخلاقي لا يمكن في هذا التّبديل البسيط هو أنّه يكفي أن يغير صفته أحد العوامل الأخلاقية ( كأن يتنازل المالك عن حقه للمستودع ) لكي يصبح غير مستحق للوم . فلننظر الآن . لا أقول : في واقعة رفض إنسان للتكليف الأخلاقي بالتزام كلمته بعد قبوله ، ولكن في مبدأ شخص كهذا يسمح لنفسه في حال حاجته ، أن يعطي وعدا كاذبا ، ما الّذي يحدث على وجه الدّقة إذا ما حولنا هذا المبدأ إلى قانون شامل ؟ لا شك أنّ الارتقاء - إلى هذا المستوى - بالعمل الّذي يسمح الإنسان به لكلّ فرد أن يخدع الآخرين - سوف يعرض للضرر من لم يكن يريد له هذا الإنسان أن يخدع به . ومنذئذ يبدو التّعارض ، وقد أنتقل إلى الصّعيد التّشريعي ذاته . ولكن هل يستتبع هذا التّنازع في الواقع تناقضا : إنّه يريد ، ولا يريد - أن يكون مخدوعا ؟ . . إننا نعتقد أنّ هذا التّعارض الظّاهر لم ينشأ إلا عن غموض في معنى اللفظ ( يريد ) ، الّذي يؤدي هنا دورا مزدوجا ، عمليا [ actif ] ، وعاطفيا [ offectif ] . فالواقع أنّ ( إرادتنا ) بالمعنى الحقيقي للكلمة ، وهو أنّها القدرة على اتخاذ قرار -