محمد عبد الله دراز
146
دستور الأخلاق في القرآن
لنا أن نميزه بأنفسنا ، دائما ، وحيثما وجد ؛ فشأنه شأن كلّ جوهر ، لا نراه مباشرة في حال كماله ، وإنّما نلمحه لمحا ، بفضل ذلك الجزء من النّور ، المحدود في امتداده ، وفي قوته ، والّذي نستمده من فطرتنا . ليس هنالك إذن سوى نور واحد محض ، وغير محدود ، هو الّذي يستطيع أن يضم هذا الجوهر كاملا ، وفي ثقة تامة ؛ ولذا كان من حقّ المؤمنين أن يتخذوا من العقل الإلهي وسيلة الهداية الأخلاقية الكاملة ، وإذن ففي فكرة القيمة يكمن المنبع الحقّ للإلزام ، فهي عقل العقل ، وهي المرجع الأخير للحاسة الخلقية . 2 - خصائص التّكليف الأخلاقي : كلّ قالون ( مادي ، أو اجتماعي ، أو منطقي ، أو غير ذلك ) ، يحكم بالضرورة جميع الأفراد الخاضعين له ، على نسق واحد ، كما يحكم الفرد الواحد في مختلف ظروفه . وإلّا فلن يكون القانون قانونا . أعني : قاعدة عامة وثابتة . وقانون الواجب ، وإن كان ذا طابع جدّ فردي فإنّه لا يتخلى عن هذا الطّابع المشترك : إنّه شامل ، وضروري . ويتجلى طابع الشّمول في القانون الأخلاقي ، في القرآن ، بوضوح لا ريبة معه ، لا لأنّ مجموع أوامره يتوجه في جملته إلى الإنسانية جمعاء فحسب ، وهو ما يقرره قوله تعالى : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً « 1 » . وقوله : لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ « 2 » . وقوله : لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً « 3 » ، وهو ما قد يحمل على معنى توزيعي . بل إنّ القاعدة
--> ( 1 ) الأعراف : 158 . ( 2 ) الأنعام : 19 . ( 3 ) الفرقان : 1 .