محمد عبد الله دراز

119

دستور الأخلاق في القرآن

أخطاء ، صغيرة أو كبيرة ، حين يتعرض لموضوع من موضوعات رسالته الإلهية نفسها ، أعني : النّظام الأخلاقي ، أو التّشريعي ، أو العبادي ، ما لم يكن مؤيدا بالوحي . وهكذا وجدنا القرآن يعاتبه في مواقف كثيرة ، لأنّه رقّ لحال المشركين ، فوقف منهم موقفا يتسم بالرحمة ، حيث كان ينبغي أن يكون أكثر تشددا : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ « 1 » . ويخاطبه في موقف

--> - لا ؟ وهل مسدد من قبل الوحي أم لا ؟ وهل مسدد في التّشريع فقط أم لا ؟ وما موقف المؤلف قدّس سرّه من آيات العصمة ؟ . ( 1 ) الأنفال : 67 . لسنا بصدد دراسة أسباب نزول هذه الآية الكريمة ، بل نقول : لا نتفق مع المؤلف قدّس سرّه في قوله ( وهكذا وجدنا القرآن يعاتبه في مواقف كثيرة ) ، وخلاصة قول علماء الإمامية في سبب نزول هذه الآية الكريمة : لقد شاور الرّسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله أصحابه في الأسرى فصدرت مشورتهم عن نيات مشوبة في نصيحته فكشف اللّه تعالى ذلك له ، وذمهم له ، وأبان عن إدغالهم فيه فنزلت الآية . فوجه التّوبيخ إليهم ، والتّعنيف على رأيهم ، فأبان للنبي صلّى اللّه عليه وآله عن حالهم حتّى يعلم أنّ المشورة لهم لم تكن لفقر إلى آرائهم ، وإنّما كانت لتأليفهم بهذه المشورة ، ولتعليمهم بما يصنعونه عند عزمهم ، وليتأدبوا بآداب اللّه ، فاستشارهم لذلك . وقيل : أنّ في أمّته من يبتغي له الغوائل ، ويتربص به الدّوائر ، ويسرّ خلافه ، ويبطن مقته ، ويسعى في هدم أمره ، ويناقضه في دينه ، ولم يعرفه بأعيانهم ، ولا دلالة عليهم بأسمائهم فأراد بهذه المشورة أن يكشفهم . انظر الفصول المختارة للشيخ المفيد : 32 ، والمسائل العكبرية أيضا للشيخ المفيد : 108 ( بتصرف ) . وروي أنّه صلّى اللّه عليه وآله قال لأصحابه يوم بدر في أسارى بدر : إن شئتم قتلتموهم ، وإن شئتم فاديتموهم . . . فقالوا : بل نأخذ الفداء فنستمتع به ، ونتقوى به على عدونا . وروي أنّ النّبي صلّى اللّه عليه وآله كره أخذ الفداء حتّى رأى سعد بن معاذ كراهية ذلك في وجهه ، فقال يا رسول اللّه ! هذا أوّل حرب لقينا فيه المشركين ، والإثخان في القتل أحبّ إليّ من استبقاء الرّجال . وقال عمر بن الخطاب يا رسول اللّه ! كذبوك ، وأخرجوك ، فقدمهم واضرب أعناقهم ومكن عليّا من عقيل فيضرب عنقه . . . انظر ، بحار الأنوار : 19 / 242 ، تفسير مجمع البيان : 4 / 495 ، تفسير الميزان : 9 / 139 .