محمد عبد الله دراز
115
دستور الأخلاق في القرآن
وجب علينا أن نتفق على ذلك الاستقلال الّذي خصّ به العقل . ما ذا تعني في الواقع هذه القولة : « العقل يمنح نفسه قانونه » ؟ هل يبدع العقل القانون ؟ أو أنّه يتلقاه معدا ، على أنّه جزء من كيانه ، كيما يفرضه على الإرادة ؟ . ذلك لأنّه إذا كان العقل مبدع القانون فإنّه سوف يصبح السّيد المطلق ، فيبقى عليه ، أو يبطله ، تبعا لمشيئته ، فإذا لم يستطع ذلك فلأنّه قانون سبق في وضعه وجود العقل ، وأن صانع العقل قد طبعه فيه ، كفكرة فطرية ، لا يمكن الفكاك منها . وحينئذ يكون معنى : أن يستنصح المرء عقله : أنّه يقرأ في كتاب فطرته النّقية ، والإنسانية بصفة نوعية - ما سبق أن فطرها اللّه عليه . وبعبارة أخرى : عندما يرجع أشد النّاس إلحادا إلى سلطة العقل فإنّه لا يفعل في الواقع سوى الإنصات إلى ذلكم الصّوت الإلهي ، الّذي يتكلم في داخل كلّ منا ، دون أن يذكر اسمه ، وهو ينطق به صراحة عندما يتحدث إلى المؤمن . ولكن ، إذا كان النّوران : الفطري والموحى - ينبثقان من مصدر واحد فحسب ، فيجب أن نخرج أخيرا بأنّ اللّه سبحانه هو الّذي يرشدنا دائما إلى واجبنا ، ما ظهر منه وما بطن . وهكذا نصل إلى علاج الإلزام الأخلاقي في الإسلام ، في صورته ، كقانون إيجابي [ Loi positive ] . وينبغي علينا في مواجهتنا لهذا المجال الجديد أن نسأل أنفسنا عما إذا كان للشريعة الإسلامية مصدر واحد ، أو عدة مصادر ؟ ذلك لأنّ الفقهاء قد حددوا لها بعامة أربعة مصادر ، هي : القرآن ، أو ( كلمة اللّه ) ، والسّنّة ، أو ( ما نقل عن الرّسول ) ، والإجماع ، أو ( الحكم المجمع عليه في الأمّة ) ، وأخيرا : القياس أو