محمد عبد الله دراز
116
دستور الأخلاق في القرآن
( الحكم بطريق التّناظر ) « 1 » . وإذا كان التّحليل الّذي قدمنا صحيحا - باستثناء بعض التّحديدات الّتي يجب أن نضيفها إلى هذا القول - فلا ينبغي أن يكون لدينا سوى سلطة تشريعية واحدة ، بالمعنى الصّحيح . والقرآن ذاته لا يفتأ يؤكد لنا هذه الفكرة في كثير من آياته ، قال تعالى : إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ « 2 » ، و أَلا لَهُ الْحُكْمُ « 3 » ، و لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ « 4 » . وقد بعث اللّه سبحانه فينا رسوله ، لا ليكون مجرد خاضع لشرع اللّه فحسب ، بل ليكون أوّل خاضع له : قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ « 5 » . وإذن فما ذا يقصد بذلك المبدأ الرّباعي . . ؟ . . أوّلا : القرآن : لما كان القرآن - في نظر المسلمين - كلمة اللّه ذاته ، فقد أصبح مستوفيا لشرائطه تلقائيا ، لكي يعبر عن الإرادة الإلهية . ولكن ، ألا ينبغي أن يعدّ منذئذ المصدر الوحيد للشريعة الإسلامية ؟ . . ثمّ ألّا يكون إقرار مصدر آخر للتكليف الأخلاقي المباشر ، والواقعي ، بجانب القرآن - معناه : اشتراك بصائر أخرى مع اللّه ، لها نفس الحقّ المقدس في إصدار الأحكام ؟ . . فلنر إلى أي مدى بلغت في
--> ( 1 ) يجب الالتفات إلى أنّ مصادر التشريع عند الإمامية هي : ( كتاب اللّه ، والسّنّة النّبوية الشّريفة بما فيها قول الإمام المعصوم ، والإجماع ، والعقل ) . ( 2 ) الأنعام : 57 ، ويوسف : 40 . ( 3 ) الأنعام : 62 . ( 4 ) الرّعد : 41 . ( 5 ) الأنعام : 162 - 163 .