محمد عبد الله دراز
110
دستور الأخلاق في القرآن
قدموها لنا ، ابتداء من العقليين ( المعتزلة ، والشّيعة ) ، الذين يؤكدون ذلك الرّأي بصورة عامة ، حتّى الأشاعرة الذين ينكرونه إنكارا مطلقا ، وبين هؤلاء وأولئك الماتريدية الذين يسلمون به في حدود الواجبات الأولية . ولكن من ذا الّذي لا يرى أنّ العقليين من المتكلمين عندنا قد تغالوا في اعتقادهم بعصمة العقل الإنسانى ؟ . وأليس هذا على الأقل مجالا عصيّا على إدراكنا ؟ . . وخذ مثلا : الطّريقة الّتي يؤدي بها المرء عبادته لخالقه ، فلو ترك لكلّ امرئ أن ينظم هذه العبادة فلن يخلو الأمر من احتمالين : فإمّا أن يبقى متحيرا لا يفعل شيئا ، وإمّا أن يلجأ إلى كلّ ضرب من ضروب التّخيل والاعتساف . وحتّى بالنسبة إلى جميع المجالات الأخرى - يجب أن نعترف بأنّ هذا النّور الفطري الّذي يغلفه الهوى ، وتفسده العادات ، ينبغي أن يتعرض لنوع من الكبح ، وأن يظفر بجملة من التّوجيهات ، تختلف باختلاف الزّمان ، والمكان ، والأمزجة ، وإلا ، فإنّ اليقين الأخلاقي - بصرف النّظر عن بعض الواجبات الأساسية المعترف بها لدى جميع الضّمائر السّوية - سوف يخلي مكانه تدريجيا للأوهام ، وضروب الشّك ، وصنوف الضّلال . فمثلا ، ما واجبنا حيال طبيعتنا العاطفية ؟ . أمن الواجب ألّا نستجيب لشيء من شهواتنا ، وأن نفرض على أنفسنا الآلام ، وألوان القهر ، والتّقشف ، وأن نمضي في هذه الطّريق مع البوذية ، حتّى نبلغ مرحلة ( النّرفانا ) « 1 » ؛ أو درجة الإمحاء
--> ( 1 ) النّرفاتا ، في فلسفة الهنود تعني إمحاء الذات في الكلّ « المعرب » .