محمد عبد الله دراز
111
دستور الأخلاق في القرآن
والفناء ؟ . أو أنّه يكفي أن نتظاهر - كما يفعل الرّواقيون - بنوع من اللامبالاة تجاه كلّ ضروب الخير ، والشّر في هذا العالم ، وإن كنا نفضل بعضها على بعض ؟ . . أو أنّه يجب علينا أخيرا أن نستمتع بكلّ ملذات الحياة ، سواء أكان ذلك في حكمة وانتقاء ، كما يعلمنا النّفعيون ، أم كان بلا قاعدة أو منهج ، على طريقة أريستيب « 1 » [ Aristippe ] والشّعراء في كلّ زمان ؟ . . ومع ذلك فكلّ هذه ضروب من الإدراك تؤكد أننا قد رجعنا في أمرها إلى الفطرة الإنسانية ، وأتحنا لكلّ منها الوسيلة الفريدة الّتي تجعل صاحبها يسلك سلوكا مطابقا لتلك الفطرة ، بقدر الإمكان . وكذلك الحال في علاقاتنا بأقراننا ، فإنّ الاهتداء إلى السّلوك المناسب لا يقل صعوبة بسبب ما يواجهنا من اختلاف في الرّأي . ونسوق هنا مثالا طالما قوبل من قبل بآراء متعارضة : فهل يجب على من لحقته إهانة أن يقتص ، أو أن يعفو ، أو أنّ له الخيار ؟ . وهل يجب علينا أن نعامل أخواتنا بتحفظ ، أو بقساوة ، أو نكشف لهن عن حبنا الأخوي ؟ . . وهل ينبغي أن نساعد الآخرين ليعيشوا أعفاء ، أو نتركهم لوسائلهم الخاصة ؟ . . إلخ . . ؟ ؟ . . فلو أننا أردنا أن ننزل إلى تفاصيل الحياة اليومية من : بيع ، وربا ، وخمر ، وزواج ، وزنا ، فإنّ الخطايا سوف تعظم أبدا ، ولسوف تقاوم العقول دائما بعقول ، كما تقاوم العواطف بعواطف . لقد أبصر ( كانت ) الصّخرة الّتي تصطدم بها الأخلاق القائمة على الضّمير
--> ( 1 ) أريستيب : فيلسوف إفريقي ، ولد في القرن الرّابع قبل الميلاد ، وهو تلميذ لسقراط ، وصاحب مدرسة كانت تبني السّعادة على أساس الملذات . « المعرب » .