أحمد أمين

91

كتاب الأخلاق

ارتقى الناس فيما بعد ، فكانوا في حكمهم بالخيرية والشرية والحسن والقبح أوسع نظرا ، تبودلت التجارات بين الأمم ، وحسنت الصلات ووجدت القوانين الدولية والأخلاقية الدولية ، ولم ينظر الفرد من أمة إلى فرد من أمة أخرى نظرة العدو لعدوه ، وإن كانت لا تزال عند الأمم وفي النفوس بقية موروثة من آبائنا المتوحشين . من هذا نرى أنه ينشأ الحيوان ضيق النظر في حكمه ضيقا لا يتعدى شخصه ، ثم يأخذ النظر في السعة شيئا فشيئا حتى يشمل أمته ، وحتى يرى أن أمته ليست إلا جزءا من العالم الفسيح ، وأن بجانب أمته أمما كأمته ، فالحكم الأخلاقي اتسع أفقه من فرد إلى أسرة إلى عشيرة إلى قبيلة إلى مملكة صغيرة إلى أمة كبيرة . ولا يزال آخذا في السعة حتى نصل إلى نظر واسع يرى الإنسان أخا للإنسان لا يظلمه ولا يخونه ، ويعدل معه كما يعدل مع أحد أفراد أسرته ، سيضمحل النظر الشخصي أو الجنسي خضوعا لسنة النشوء والارتقاء ويحل محله النظر إلى النوع الإنساني كأنه جسم واحد ، سيكون نظر الإنسان الأخلاقي نظرا عاليا بعد أن كان نظرا قبليا « 1 » . وهناك جهة أخرى للنظر في « نشوء » الحكم الأخلاقي و « ارتقائه » ، وهي : 1 - أن الحكم الأخلاقي يتبع - عند المتوحشين والأمم المنحطة - العرف ، فالفرد يعيش في قبيلته ويتطلب بأعماله رضاها ، ولا يكاد يشعر بأنه فرد مستقل له وجود خاص ، وهو في هذا الطور لا يستطيع أن يحكم على الخلق وإنما يحكم على الأعمال فقط ؛ ذلك لأن الحكم على الخلق يحتاج إلى نظر واسع شامل لأعمال المرء ، والفرد في القبيلة المتوحشة أضيق نظرا من ذلك ، بل قد لاحظ « سيلي » أنه حتى مع رقي اليونان بعض الرقي أيام « هوميروس » لا تجد في الإلياذة ما يدل على تقسيم الناس إلى بررة وفجرة ، وليس السبب في ذلك أن الشاعر لم ينسب إلى من تكلم عنهم شيئا من أعمال الشر ، فكثيرا ما فعل ذلك ؛ ولكن السبب أنه يرى أن كل الناس على السواء عرضة لأن يأتوا بشر الأعمال خيرها

--> ( 1 ) انظر ) pihsniK lasrevinU ehT s'nivraM ( .