أحمد أمين

92

كتاب الأخلاق

وشرها ، ولم يستطع أن يتصور شخصا شريرا عادة ؛ لأن تلك درجة أرقى من درجة تصوره . 2 - وبعد أن يمر الناس بهذا الدور - وهو الدور الذي لا يعرفون فيه مسيطرا على أعمالهم إلا العرف - يحل القانون محل العادة تدريجا في تنظيم أعمالهم ، وبهذا يصير الفرق بين الحق والباطل أوضح ، فإن القانون يكون مقياسا واضحا للعمل يقيس به الإنسان أعماله ويتخذه أساسا في انتقاد أعمال غيره ، وحينئذ يوجد تقسيم النوع الإنساني إلى من يرعون هذا المقياس عادة في أعمالهم ومن يخالفونه ، أي إلى بررة وفجرة ، ويشعر الناس باحترام الأولين واحتقار الآخرين . 3 - في هذا الدور - دور القانون الوضعي - لا يكون الحكم الأخلاقي تام التكون ؛ لأن قانون البلاد إنما يتوجه إلى الأعمال الظاهرة الضارة بمصلحة المجتمع ، مع أن الحكم الأخلاقي في شكله التام يتوجه إلى مقاصد الناس وبواعثهم وأخلاقهم أكثر من مجرد أعمالهم الظاهرة ، فإذا رقيت الأمة أخذ القانون الأخلاقي يتميز عن القانون الوضعي ، ويتوجه النظر إلى أعمال النفس الباطنية كما كان يتوجه إلى الأعمال الظاهرة ، وتقول الأخلاق : « لا تحسد » و « لا تقتل » . أما القانون الوضعي ، فيقول فقط : « لا تقتل » ، وعند ذلك يكون القانون الأخلاقي قد تكون . 4 - بعد وجود القانون الأخلاقي متميزا تقضي الضرورة بحدوث تضارب في الأعمال والأحكام الصادرة عليها ، ففي الجمعية الساذجة يكون واجب كل فرد بديهيا . أما بعد أن ينضم القانون إلى العرف ، وينضم القانون الأخلاقي إلى القانون الوضعي ، وبعد أن تتركب الحياة ويرى الإنسان نفسه يشغل مراكز مختلفة في آن واحد - فهو مثلا أب وقاض وزوج وعضو في جمعية الخ - فإنه لا يكون من السهل معرفة الطريق الذي يسلكه الإنسان في الحياة ، وكثيرا ما تتعارض الواجبات وتتصادم القوانين كما إذا تعارض الواجب للأمة مع الواجب للأسرة . فهذا التضارب يجر إلى النظر والبحث عن أساس الحكم الأخلاقي ، والاجتهاد في وضع نظام علمي أخلاقي ، وبذلك تحل المبادئ العامة التي يرسمها العلم وتصلح لكل زمان ومكان محل عادات القبائل وقوانينها الخاصة « 1 » .

--> ( 1 ) ضرب الأستاذ « مكنزي » مثلا على هذا التدرج من اليهود واليونان والرومان ، فقال ما ملخصه : -