أحمد أمين

87

كتاب الأخلاق

له مجالا في الحياة . أما في الأخلاق ، فليس كذلك بين الأفراد نفسها ، بل بين الآراء والعقول - ترى رجلا بما منح من قوة فكر يميل إلى نوع من المعاملة أو يستنكر عادة ألفها الناس ، كأن يستنكر حالة المرأة ومعاملة الناس لها معاملة تقرب من معاملة الرقيق ، فيجهر برأيه ويقف وحده أو مع قليل من الناس مؤيدا ما يقول مدافعا عنه ، وقد يثير قوله سخرية الناس وتهكمهم عليه واحتقارهم له ، فإذا كان الرجل من كبار المصلحين لم يعبأ بذلك كله ولو جر إلى الموت وظل يعلن رأيه ويجاهد في سبيله ، والرأي في أثناء ذلك ينتشر شيئا فشيئا ، والناس يستكشفون صلاحيته ويميلون إليه ويقتنعون به ، ويتقلب عداؤهم للرأي تحزبا له ، وتؤيده كل يوم قوة جديدة حتى يصبح عقيدة أغلب الناس أو كلهم ، ويحل الإقناع والتربية في عالم الأخلاق والآراء محل تولد الجنس وفناء الضعيف في عالم الحيوان ؛ لأن طريق انتصار عقل على عقل هو الإقناع . وهناك آراء أخرى في تطبيق مذهب النشوء والارتقاء ، ونقد للآراء المختلفة لا يسعها هذا المختصر . الحكم الأخلاقي ذكرنا فيما تقدم أن الحكم الأخلاقي أي الحكم بالخيرية والشرية لا يصدر إلا على الأعمال الاختيارية ، فما لم توجد إرادة لا يصدر حكم . فلو طغى ماء النيل فأغرق كثيرا من البلدان أو هبت عاصفة فدمرت ما لاقته ، أو أغرقت الأمواج سفينة بمن فيها فلا يحكم على هذه الأعمال بأنها شر ؛ إذ لا إرادة ، أعني لا يصدر الحكم على عمل النيل وأمثاله بأنه شر ، كما أنه لا يحكم على عمله بأنه خير إذا فاض باعتدال وروى الأراضي وأفادها ، كذلك إذا جمح حصان فأوقع راكبه أو سار سيرا حسنا فأوصله إلى غايته لا يحكم على عمله بأنه شر في الأولى ولا خير في الثانية ما دمنا لا نعترف له بإرادة ؛ كذلك أعمال الإنسان غير الإرادية كهضم معدته هضما جيدا وتوزيع القلب للدم توزيعا منظما ، وارتعاشه لحمي أصابته ونحو ذلك . إنما يحكم على الأعمال الإرادية بأنها خير أو شر تبعا للمقياس الذي ذكرناه . والذي نريد أن نقوله الآن : هل يصدر الحكم على هذا العمل باعتبار