أحمد أمين

86

كتاب الأخلاق

مع ما حولها ولا تلائم الظروف المحيطة بها ، وكلما كان العمل أكثر ملاءمة أو أكثر وفاقا كان أقرب إلى الكمال . يرى أصحاب هذا المذهب أن الأعمال الأخلاقية نشأت ساذجة بسيطة ، وأخذت في التدرج والرقي شيئا فشيئا ، وهي سائرة نحو مثل أعلى يعتبر هو الغاية ، والعمل خير كلما قرب من هذا المثل الأعلى وشر كلما بعد عنه ؛ وغاية الناس في الحياة أن يحققوا هذا المثل أو يقتربوا منه قدر المستطاع . وكل عملية من عمليات النشوء والارتقاء تشمل ثلاثة أشياء : بدء من نقطة معينة ، وتدرج في السير نحو غاية ، وغاية يقصد إلى الوصول إليها ؛ ففي نشوء الحيوان مثلا بدأت الحياة في حيوانات دنيئة جدا ، ثم ارتقت شيئا شيئا إلى أجيال عدة وآلاف من السنين ، وكان انتقالها تدريجيا : وقد مر في مراتب كثيرة من حشرات إلى زواحف إلى غير ذلك حتى وصل إلى الإنسان المتوحش فالمتمدين ، وهو سائر إلى نوع من المدنية أرق وأعظم - وفي العادة نجد أن نقطة البدء في كل عملية نشوء والغاية التي يقصد إليها خفيتان عنا لا نميزهما تمييزا واضحا ، وإنما الواضح أمامنا التدرج في السير - كذلك الشأن في الأخلاق إذا نحن استعرضنا المعاملة من مبدأ وجودها عند الحيوانات إلى غاية ما يمكن أن تصل إليه وجدنا المبدأ غامضا ، ووجدنا الغاية التي هي المثل الأعلى غامضة كذلك نوع الغموض ، والعمل كلما قرب منها كان خيرا وكلما بعد عنها كان شرا . وقد طبق الأستاذ « ألكسندر » ما قاله دارون في « الانتخاب الطبيعي » و « تنازع البقاء » و « بقاء الأصلح » على الأخلاق ، وهاك خلاصة ما قاله في ذلك : ترى الحيوانات أن بينها نزاعا على البقاء ، يتنازع بعضها مع بعض للغلبة والظفر ، وهذا النزاع حاصل بين الأفراد وبين الأنواع ، ونتيجة هذا النزاع فناء بعض وبقاء بعض وهو الأصلح ، وهذه العملية تسمى « الانتخاب الطبيعي » ، وهذا ينطبق على الأخلاق ؛ فهناك حرب بين المعاملات وطرق المعيشة والمثل العليا للحياة ، فهذه الأمور تتنازع ولا يسمح بالبقاء إلا لما يتفق منها مع الخير العام . نرى في عالم الحيوان أن بعض الأفراد أو الأنواع قد ولد ممتازا بميزات خاصة تجعله أصلح للبقاء من غيره ، ولهذا تبقى وتورث نسلها ميزاتها ، على حين أن الضعيف لا يجد