أحمد أمين
83
كتاب الأخلاق
ونحن نلخص ما ذكره سبنسر في عملية التطبيق : إن معاملة الإنسان أو سلوكه « ناشىء » من سلوك الحيوان ، فنحن إذا نظرنا إلى الحيوان نرى أن من أحط أنواعه نوعا مائيا يتحرك لا لغاية يقصدها بل بدافع طبيعي ، فيقع في أثناء تحركه اتفاقا على غذاء يتغذى به ، وما هو إلا أن يبصر به حيوان أرقى منه فيبتلعه ، ولما كان هذا النوع من الحيوان ليس عنده من الشعور والقوة الدافعة ما يساعده على المعيشة وسط هذه البيئة كان نحو تسعة وتسعين في المئة منه يفنى بعد ساعات قليلة من وجوده ، إما جوعا أو تسلطا من حيوان آخر أرقى منه . فإذا نحن ارتقينا إلى حيوان آخر أرقى منه قليلا ) refetor ( وجدنا أن بناء جسمه أحكم ، ووجدنا أن سلوكه في حياته أنظم ، فهو يتحرك باحثا عن غذائه ، ويقاوم نوعا من المقاومة ما يهدد حياته ويعدل نفسه على حسب الظروف المحيطة به ، ويستخدم بعض ما يحيط به في مصلحته ، ولا يستسلم استسلاما تاما لما حوله . لنرتقي بعد إلى الحيوانات الفقرية نجد أن « السلوك » يرقى فيها تبعا لرقي تركيب جسمها ، فالسمك مثلا يتجول باحثا عن غذائه ، ثم إذا أدركه امتحنه قبل أن يأكله بشمه أو النظر إليه إذا كان على مسافة قريبة منه ، ثم إذا هو شعر بسمك أكبر منه جاد في الهرب منه فهو يعدل أعماله وفق غاياته ، وإن كان هذا التعديل بسيطا ساذجا ، ولهذا كان ما يعيش منه إلى سن الهرم نادرا إذا قيس بعدد ما يولد . حتى إذا بلغنا نوعا راقيا من الحيوانات الفقرية كالفيلة ، رأينا سلوكها أنظم ووجدنا تعديلها حياتها على وفق ما يحيط به أتم ، واستخدامها ما حولها في مصلحتها أكمل ، فهي تستطيع أن تمتحن غذاءها بالنظر أو الشم على مسافات بعيدة ؛ فإذا دهمها خطر أسرعت في العدو ؛ كذلك نجد ما تعمله لتحصيل غذائها أرقى مما تعمله الأسماك مثلا ، فهي تكسر أغصان الأشجار المحملة بالأثمار وتنتخب من بينها أصلحها لغذائها ، وعند الخطر تدافع عن نفسها ، لا بالهرب فحسب ، بل بالمقاومة وبالنزال أيضا ، بل نجدها تعمل أعمالا كمالية فتذهب إلى الأنهار للاستيراد ، وتستعمل فروع الأشجار في طرد الذباب ونحوه من على