أحمد أمين

84

كتاب الأخلاق

ظهورها ، وتصوت تصويتا خاصا إذا رأت خطرا لتعلم القطيع بذلك فتحترس . وعلى الجملة فسلوكها راق ، وتعديلها أعمالها لنيل أغراضها واضح جلي . ولم تكن إلا خطوات قليلة في الترقي حتى نصل إلى الإنسان المتوحش فالمتمدين ، فنجده أكثر تعديلا لأعماله على وفق غايته ، وأحسن نظاما في ذلك من سائر الحيوان ، وإنا لنجد الفرق في ذلك بين القبائل المتوحشة والأمم المتمدينة يشبه الفرق بين أعمال الحيوان والإنسان المتوحش ؛ فغايات المتمدين أعظم ، وطرق الوصول إليها أكثر إتقانا ، فإذا نظرت إلى طعامه رأيته منظما حسب شهرته ، متقنا في صنعه ، متنوعا في شكله وطعمه ، متفننا في إجادته ، وإذا نظرت إلى لباسه رأيته عند المتوحش ثوبا نسجه بيده من صوف غنمه ، ورأيت عند المتمدين المصانع الهائلة تصنع له ثيابا مختلفة الألوان مختلفة الأنواع بديعة الصنع ، يدخل عليها كل يوم من أنواع التحسين ما يدعو إليه الذوق ، وإذا نظرت إلى سكنه وجدت البدوي يسكن بيتا من شعر أو يلتجىء إلى كهف ، على حين نجد المدني قد أبدع في قصوره الفخمة أيما إبداع . وكلما تقدم الإنسان في المدنية ازدادت حاجاته ، ونظم اجتماعه ، وتنوعت أعماله ، فرأيت أشكالا من الحكومات مختلفة ، ورأيت طرق التجارة وأعمال المصانع موزعة بدقة ، كل هذا لتكون حياة الإنسان أبقى وأطول ، بل ولتكون حياته ( أعرض ) ، ونعني بالحياة العريضة حياة مملوءة بالرغبات ، وفيها تلك الرغبات موفورة مرواة . ونحن إذا قارنا بين معدل حياة البدوي والحضري ورغائبهما وحاجاتهما رأينا المدني أطول عمرا وأعرض حياة ؛ ذلك لأن الحضري أقدر تعديلا لنفسه على وفق الظروف المحيطة به ، كما أنه أقدر على الانتفاع بما حوله واستخدامه في مصلحته . يتبين لنا من هذا أن في طبيعة كل نوع من أنواع الحيوان دفعا غريزيا يدفعه لحفظ شخصه « وينشأ هذا الدافع ويرتقي تبعا لنواميس الطبيعة » . والآن نريد أن نبين أن في طبيعة كل حيوان أيضا دافعا غريزيا يدفعه إلى حفظ نوعه ، وأن هذا يتبع ( سنة النشوء والارتقاء ) ؛ كالذي رأيناه في حفظ الشخص ، ففي بعض الحيوانات البحرية الدنيئة يحصل التلقيح اتفاقا ويترك النسل