أحمد أمين
82
كتاب الأخلاق
يتنازل بعض أفراده مع بعض عند الازدحام على شيء لا يكفي لسد رغباتها جميعا ، كما ترى من تنازع القطط على قطعة من اللحم . وكما ترى من تنازع الإنسان مع الإنسان ، وهذا التنازع الذي بين الأنواع والأفراد هو الذي يسمى ( تنازع البقاء ) يعني التنازع لأجل البقاء ، وكون الذي يبقى هو أصلح الموجودات للبقاء يسمى ( بقاء الأصلح ) ، والصفات الغريزية التي في الأصول تنتقل في الفروع ، فالنسل المتولد من الأقوياء قوي ومن الضعفاء ضعيف ، ومن تولد من ضعاف الصدر كان عرضة لمرض الصدر ، وهكذا ، وهذا هو ( قانون الوراثة ) . وليس هذا مقام شرح المذهب شرحا وافيا وبيان ما استدل به أنصاره وما رد به معارضوه ، وإنما ذكرنا هذا القدر توطئة لما نريد ذكره في الأخلاق . وقد توسع كثير من العلماء في تطبيق هذا المذهب على كثير من الأشياء ، فطبقوه على النظم الاجتماعية وعلى أشكال الحكومات ، وعلى كثير من فروع العلم ؛ كعلم النفس وعلم الاجتماع والمنطق وعلى الفلسفة والدين . ومعنى تطبيق هذا المذهب على العلوم بيان أن ما تبحث فيه هذه العلوم نشأ نواة أو جرثومة صغيرة أخذت في الرقي خاضعة لقانون « الانتخاب الطبيعي » ، يبقى منها ما يصلح ويأخذ في الفناء ما لا يصلح ، وأنها سائرة إلى النمو والكمال . وعلى الجملة يمكننا أن نقول : إن مذهب النشوء والارتقاء أثر في الباحثين وفي طريقة البحث أثرا كبيرا حتى يكاد يكون في دماغ كل باحث عند بحثه الأسئلة الآتية : ما أصل هذا الشيء الذي أبحث عنه ؟ كيف نما حتى صار إلى الحالة التي نشاهده عليها ؟ ما ذا ينتظر له من الكمال في المستقبل ؟ ومما طبق عليه هذا المذهب « الأخلاق » ، وممن فعل ذلك « هربرت سبنسر » « 1 » وآخرون . يرى أصحاب هذا المذهب أن الأعمال الأخلاقية نشأت ساذجة بسيطة ، وأخذت في التدرج والرقي شيئا فشيئا ، هي سائرة نحو « مثل أعلى » يعتبر هو الغاية . والعمل خير كلما قرب من هذا المثل الأعلى ، وشر كلما بعد عنه ، وغاية الناس في الحياة أن يحققوا هذا المثل أو يقتربوا منه قدر المستطاع .
--> ( 1 ) « هربرت سبنسر » فيلسوف إنجليزي ( 1820 - 1903 م ) كانت فلسفته مؤسسة على مذهب النشوء ، وقد رقى الأبحاث الأخلاقية والاجتماعية وألف كتبا كثيرة في النفس والأخلاق والاجتماع والتربية والسياسة ، ويعد من أقطاب العلم الحديث .