أحمد أمين

81

كتاب الأخلاق

4 - مذهب النشوء والارتقاء : قد كان الرأي الشائع عند الناس أن كل جنس وكل نوع من الحيوانات مستقل بذاته لا ينتقل إلى غيره ، فالأسماك لا تنتقل إلى تماسيح ، ولا القط إلى كلب ، بل إن لكل نوع آباء متميزة تتناسل منها فروعه - حتى جاء ( لا مارك ) وهو عالم فرنسي ( 1774 - 1829 ) فأداه البحث إلى أن الأنواع يتحول بعضها إلى بعض ، وأنه ليس بصحيح ما يقال من أن الأنواع متمايزة لا تتغير ، بل متغيرة تنتقل من نوع إلى نوع ، بدليل ما نشاهده من تدخل أنواعها بعضها في بعض وعدم وجود حدود مميزة لكل نوع - ورأى أن الأنواع لم تخلق كلها في زمن واحد ، بل وجدت الحيوانات السافلة أولا ، ثم تدرجت في الرقي وتولد بعضها من بعض ، وانتقلت من أنواع إلى أنواع ، وذكر أن العامل على هذا التغيير شيئان : 1 - البيئة : أي أن الظروف المحيطة بالحيوان قد لا تكون ملائمة له ، فيضطر عندئذ إلى تعديل نفسه على وقفها . 2 - مبدأ الوراثة يعني أن الصفات التي تصف بها الأصل ليلائم وسطه تنتقل إلى فروعه . وسمي هذا المذهب ( مذهب النشوء والارتقاء ) لقوله بنشوء الحيوانات بعضها من بعض وارتقائها من حيوان سافل إلى حيوان راق . وجاء بعده ( دارون ) العالم الإنكليزي ( 1809 - 1882 م ) فأوضح مذهب التحول ، ونشر فيه مؤلفه المسمى ( أصل الأنواع ) وبنى مذهبه على قوانين يكثر دورانها على الألسنة ، وهي ( قانون الانتخاب الطبيعي ) و ( تنازع البقاء ) و ( بقاء الأصلح ) و ( قانون الوراثة ) . أما الانتخاب الطبيعي ، فيعني به الطبيعة تنتخب من الموجودات ما يصلح للبقاء ، فالحيوانات مثلا تنسل عددا لا يحصى ، ولا يبقى منه إلا القليل ، ولم يبق ما بقي اتفاقا ، ولكن لأنه هو الذي قاوم الحوادث المختلفة وفواعل الطبيعة فصلح للبقاء ، فالقوي يبقى والضعيف يفنى ، فما تفعله الطبيعة من انتخاب أصلح الموجودات لتمنحه ميزة البقاء يسمى ( الانتخاب الطبيعي ) . والمخلوقات في نزاع شديد ، فبين الأنواع حرب عوان ، أسد يفترس ذئابا ، وذئاب تفترس خرافا ، وإنسان يفترس كثيرا . أضف إلى ذلك أن النوع الواحد قد