أحمد أمين
74
كتاب الأخلاق
قال « ميل » : « إن الرجل الذي يطلب اللذائذ الوضيعة يجد فرصا كثيرة سانحة لملئها . أما الرجل الراقي ، فإنه يشعر بأن كل ما يتوقعه في هذه الحياة ناقص لا يفي بغرضه ، ولكنه يعتاد تحمل هذا النقص ما دام محتملا ، ولا يحسد من لا يشعر بالنقص لأن من لم يشعر لم يدرك الخير الأكبر ، ولأن يكون الشخص إنسانا غير راض خير من أن يكون خنزيرا راضيا ، ولأن يكون سقراط خير من أن يكون أبله راضيا » « 1 » ، فالواجب ألا يبحث الإنسان عن أكبر لذة ، بل عن أشرف لذة وعن خير أنواعها . قال جورج إليوت : « إنا لا نستطيع أن نحصل أعلى أنواع السعادة إلا بأن نوسع أفكارنا وأن يكون عندنا من حب الخير للناس ما عندنا لأنفسنا ، وأن هذا النوع من السعادة يسبب - عادة - كثيرا من الألم ، ولكن النفوس الراقية تختاره مع ما فيه من الألم لأنها تشعر بخيريته » . واختيار هذا النوع من السعادة يرجع إلى طبيعة النفس والعالم الذي نعيش فيه ، فإن كانت طبيعة النفس طيبة وعاشت باستمرار أو بأغلبية في عالم راق طمحت إلى خير أنواع السعادة ، وعملت على إدراكها . ولم يسلم هذا المذهب من النقد ، فقد اعترض عليه باعتراضات عدة ، منها : 1 - إن هذا المذهب يقتضي أنه للحكم على عمل الخيرية أو الشرية ينبغي حساب كل ما ينشأ عن العمل من لذة وألم لكل كائن يتلذذ أو يتألم من العمل ، بعبارة أخرى لأهل المملكة والأجانب ، للأحياء وأعقابهم ، وإذا كان كذلك فمن الصعب الوقوف على نتائج العمل وحسابها ، فقد ترى عملا ينفع أمتنا ويضر الأجانب ، وقد ينفع معاصرينا ويضر الأجيال المستقبلة ، والأجيال المستقبلة كثيرة العدد فيصعب الحساب ويدق النظر ، فمثلا هل تنتفع الأمة الآن بما عندها من معادن إذا كان ذلك يضر بأبنائها ؟ وهل تستدين الحكومة إذا خيف أن يكون الدين حملا ثقيلا على الخلف ؟ وأكثر من هذا أننا إذا أدخلنا في حساب اللذائذ والآلام الحيوانات ، فهل تفاضل بينها أو لا ؟ فإن لم نفاضل بأن ساوينا في حساب اللذة والألم بين الكلب
--> ( 1 ) الفصل الثاني من رسالة « ميل » في مذهب المنفعة باختصار . ( 2 ) « ميل » في رسالته .