أحمد أمين
75
كتاب الأخلاق
والقط والخروف والإنسان ، فبأي حق نذبح الدجاجة ليتمتع بها الإنسان ، ونشرح الكلب حيا لننتفع بتشريحه في معالجة الإنسان ؟ وإن نحن فضلنا بعض الحيوان على بعض ، فما هي قائمة التفضيل وكيف تعمل ؟ أو ليست تكون مجالا للخطأ ومظنة البعد عن الصواب ؟ 2 - ليس مقياس السعادة العامة مقياسا ثابتا محدودا ، وهذا يجعل الحكم بأن العمل خير أو شر مجالا للخلاف الكثير ، ذلك بأن مدار الحكم هو اللذة والألم ، وتقدير ما في العمل من اللذة والألم يختلف باختلاف الأشخاص ، فقد يرى أحد في عمل لذة كبيرة ويرى آخر فيه لذة أكبر أو أقل ، فيترتب على ذلك اختلافهم في الحكم على الشيء بالخيرية أو الشرية ؛ فمثلا قد يستمتع أحد بلذة استمتاعا لا يستمتعه الآخر من الشيء نفسه ؛ كصوت الموسيقى يطرب منه سامع طربا يخرجه عن عقله حتى يضحكه أو يبكيه ، بينا تجد الآخر بجانبه لا يأبه لهذا الصوت ولا ينفعل منه أي انفعال ، فكيف تتخذ اللذة بعد مقياسا تقاس به الأعمال ؟ 3 - إن هذا المذهب يجعل الناس باردين يقصرون نظرهم على نتائج العمل وما فيه من لذة وألم ، ولا ينظرون إلى صفات العامل ولا جمال الخلق الذي صدر عنه العمل . 4 - إن القول بأن الحياة غايتها الوصول إلى اللذة والفرار من الألم ، فحسب حط من شرف الإنسان ولا يليق إلا بالعجماوات . وقد أجيب عن هذه الاعتراضات بأجوبة لا يتسع المقام لذكرها « 1 » ، غير أنا نقول : إن هذا المذهب من أكثر المذاهب انتشارا في العصور الحديثة ، وكان له فضل كبير في إيقاظ العقول ومطالبتها أن تكون غير متحيزة في أحكامها ، قد طلب من الشخص أن ينظر إلى لذائذ الناس كما ينظر إلى لذاته ، وعلم المتشرعين أن يلاحظوا عند تشريعهم خير الناس لا خير أفراد مخصوصين ، فما يعد جرائم يعاقب عليها القانون ، وما لا يعد إنما يرجع فيه إلى كمية ما في العمل من آلام
--> ( 1 ) أجاب جون ستورت ميل عن هذه الاعتراضات وغيرها في رسالته المسماة : مذهب المنفعة ) msinairatiLitU ( ، فارجع إليها .