أحمد أمين

73

كتاب الأخلاق

لذاتنا يجب أن نلاحظ مستقبل الحياة كما نلاحظ حاضرها ، ويجب أيضا أن نلاحظ لذائذ الناس كما نلاحظ لذاتنا نحن ؛ ذلك لأننا إذا لاحظنا علاقة الأفراد بالمجموع وعلاقة الأفراد بعضهم ببعض ونظرنا نظرا واسعا كان بديهيا أن لذة شخص ليست أكثر أهمية من لذة آخر لذلك كان من المعقول أن يقصد الشخص إلى خير الآخرين ومنفعتهم كما ينظر إلى خيره ومنفعته » . اللذة في رأي المنفعيين : إن اللذة التي يتخذها المنفعيون مقياسا هي اللذة بأوسع معانيها ، فهي تشتمل اللذات الحسية والمعنوية والجسمية والعقلية ، وقد كان كثير من المنفعيين ومنهم بنتام لا ينظرون في تفضيل لذة إلا إلى الكم ، أي ينظرون إلى أي اللذتين أكبر ، وحسب بنتام أن اللذائذ كلها متشابهة في الصفة متحدة في النوع ، فاللذة إنما تفضل لذة أخرى بشدتها أو مدتها أو قربها أو تحققها . ثم جاء « ميل » فقال : « إن اللذائذ كما تختلف كما تختلف كيفا ، أي أن اللذائذ تتنوع ، وكما أن لذة تفضل أخرى بكبرها ، فكذلك قد تفضل أخرى لشرفها ، فاللذائذ النفسية مثلا تفضل اللذائذ الجسمية ؛ وإذا نحن سئلنا : كيف نعرف أن لذة أفضل من لذة وأعلى قيمة منها إذا لم تكن أحدهما أكبر ؟ نقول : إنما نعوف ذلك بقول الخبيرين ، فإنا نراهم يختبرون اللذتين ويفضلون إحداهما على الأخرى ويختارونها مع معرفتهم بما يكتنفها من الآلام ولا يرضون أي مقدار من الأخرى بديلا عنها ، فليس يرضى الذكي أن يكون أبله ولا المتعلم أن يكون جاهلا ، ولو أقنعنا بأن الأبله والجاهل أرضى بحظهما ولا يقبل الذكي والمتعلم أن يستبدلا بما عندهما من الذكاء والعلم أكبر اللذائذ الجسمية » « 1 » . واللذة أو السعادة التي يطمح إليها الناس وتختلف باختلاف الأشخاص ، فكما أن سعادة الإنسان تختلف عن سعادة الحيوان ، فكذلك تختلف سعادة العاقل عن سعادة الجاهل ، واختلافها يتبع العالم العقلي الذي يعيش فيه الإنسان ، فكلما كان عامله أضيق كان الحصول على لذته أيسر ، فإذا اتسع عالمه كانت لذائذه التي يطمح في تحصيلها أصعب .

--> ( 1 ) الفصل الثاني من رسالة « ميل » في مذهب المنفعة باختصار .