أحمد أمين
72
كتاب الأخلاق
من العقوبة بالرشوة ، وبذلك تكثر المظالم ، ويضيع كثير من الحقوق . وفي هذا آلام كثيرة للمجتمع فحرمت ، وإن انتفع بها القاضي المرتشي . وهكذا الشأن في جميع الأعمال ، فإن أردت الحكم على عمل بأنه خير أو شر فابحث عما يجلبه من اللذائذ والآلام للمجتمع مع بعد النظر ودقة البحث ثم وازن بين لذائذه وآلامه . قالوا : ووزن الأعمال بهذا الميزان بطيء إلا أن النتيجة موثوق بصحتها ، على أن أصول الفضائل والرذائل قد وزنت بهذا الميزان وحكم عليها بالخير أو الشر ، مثل الكرم فضيلة ، والبخل رذيلة ، والصدق خير ، والكذب شر ، فإذا أردنا أن نحكم على جزئية فلنرجعها إلى أصل من تلك الأصول التي حكم عليها ، كأن يكون العمل من قبيل الصدق أو الكذب ، ولا حاجة حينئذ إلى هذا المقياس ، وإنما نحتاج إليه فيما لا يرجع إلى تلك الأصول ؛ كالعادات التي اختلف الناس في استحسانها واستقباحها مثل السفور والحجاب ، فإن أداك بحثك الدقيق إلى أن آلام العمل أكثر من لذائذه فاحكم بشره ، وإن حكم الناس عليه بالخير ، وإن رأيت من الأعمال ما لا ضرر فيه أو ما آلامه أقل من لذائذه ، فاحكم بأنه خير ، وإن عده الناس جريمة . ويسمى هذا المذهب « مذهب المنفعة » ، ومن أكبر دعاته الفيلسوفان الإنجليزيان بنتام ) mahtneB ( ( 1748 - 1832 « 1 » م ) ، وجون ستورات مل ( 1806 - 1873 م « 2 » ) ، والأستاذ « سيجويك » وقد برهن الأستاذ سيجويك على صحة المذهب بقوله : « إن اللذة هي الشيء الوحيد الذي يرغب فيه لذاته ، وإذا خيرنا بين جملة أعمال فاللذة هي عماد الاختيار ، وإن عقلنا ليرشدنا إلى أنه يجب أن نختار من الأعمال ما يحصل أكبر لذة ، وألا نكون متحيزين في أحكامنا ، فعند اختيار
--> ( 1 ) بنتام ) mahtneB ( عالم إنجليزي اشتهر ببحثه في الأخلاق والقانون ، وهو من أكبر دعاة مذهب المنفعة ، وربما عد مؤسسة وهو القائل بأن « مقياس الخير والشر أكبر لذة لأكبر عدد » ، وقد ألف في أصول القوانين كتابه الشهير « أصول القوانين » وطبقه على مذهب المنفعة وترجمه المرحوم أحمد فتحي زغلول . ( 2 ) ميل ) lliM ( فيلسوف إنجليزي كتب في المنطق والاقتصاد السياسي والسياسة وكتب رسالة في الحرية ترجمها الأستاذ طه السباعي ، ورسالة في مذهب المنفعة ألفها سنة 1863 ، وهو يعد من أكبر مؤسسي المذهب .