أحمد أمين

62

كتاب الأخلاق

الكتاب الثاني في نظريات العلم وتاريخه الشعور الأخلاقي من أهم المسائل التي يبحث فيها علماء الأخلاق مسألة « أصل شعورنا الأخلاقي » « 1 » ، ونحن نذكر هنا باختصار خلاصة ما قالوا : نحكم على بعض الأعمال بأنها أخلاقية وعلى بعضها الآخر بأنها غير أخلاقية ، فما مصدر هذا الحكم ، وما القوة النفسية التي ينشأ عنها ، وكيف يدرك وجداننا الخير والشر والحق والباطل ؟ ألسنا نرى العمل الذي يعده بعض الناس خيرا وحقا في عصر من العصور أو عند بعض الأمم قد يعد هو بنفسه في عصر آخر أو عند أمة أخرى شرا أو باطلا ، فما أصل ذلك ؟ هذا هو موضوع هذا الفصل ، وقد انقسم الفلاسفة في الإجابة عن هذا السؤال إلى قسمين : أ - ففريق يرى أن كل إنسان قوة غريزية يميز بها بين الحق والباطل والخير والشر والأخلاقي وغير الأخلاقي ، وقد تختلف هذه القوة اختلافا قليلا باختلاف العصور والبيئات ، ولكنها متأصلة في كل إنسان ، فكل يحصل عنده نوع من الإلهام يعرفه قيمة الأشياء خيرها وشرها ، وهذا الإلهام يحصل للإنسان بمجرد النظر ، ولهذا نشعر ولو لم ندرس علما ولو لم نتلق رأيا بأن شيئا خير وشيئا شر ، وهذه القوة ليست نتيجة بيئة ولا زمان ولا تربية بل هي غريزية لا مكتسبة ، وهي جزء من طبيعتنا منحناها لنميز الخير من الشر كما منحنا العين لنبصر بها

--> ( 1 ) يقال : عمل أخلاقي إذا كان يتفق مع ما تأمر به الأخلاق ، وارتكبنا فيه النسبة إلى الجمع خوفا من اللبس .