أحمد أمين

63

كتاب الأخلاق

والأذن لنسمع بها ، والحكم الأخلاقي يعتمد على هذه القوة فيصدر بالاستحسان أو الاستقباح . وقد اختلف القائلون بهذا الرأي فيما بينهم ، فبعضهم يرجع هذه القوة إلى قوة العقل والتفكير ، وبعضهم يرجعها إلى قوة الشعور ، وليس يحتمل هذا المختصر تفصيل هذه الآراء . ويقول أصحاب هذا الرأي : إن القوة الأخلاقية قد تصاب بمرض فترى الخير شرا والشر خيرا ، وهذا لا يطعن فيها كما لا يطعن مرض العين في أنها هي قوة الإبصار ، وأنها هي التي تدرك المرئيات ، وأيضا قد تخطىء القوة الخلقية كما تخطىء القوة العقلية ، فكما أنا لو أعطينا عددا من التلاميذ عمليات ضرب أو قسمة فبعضهم يخطئ في حلها وبعضهم يصيب ، ولكنا نقطع بأن الصواب في هذا دون ذاك . كذلك قد يختلف الناس في الأحكام الأخلاقية ، فيحكم بعضهم بالشر على ما حكم عليه آخر بالخير ، وفي هذه الحالة يكون قد أصاب قوم وأخطأ آخرون ، كما في كل ملكة من الملكات . وستأتي زيادة توضيح لهذا الرأي في الفصل الآتي عند الكلام على مذهب « اللقانة » . ب - ويرى الفريق الآخر أن معرفتنا بالخير والشر - مثل معرفتنا بأي شيء آخر - تعتمد على التجربة وتنمو بتقدم الزمان وترقي الفكر وكثرة التجارب ، ويقول هؤلاء : ليس عند الإنسان حاسة غريزية لإدراك الخير والشر ، ولكنها التجربة علمته الحكم على بعض الأعمال بأنها خير وعلى بعضها بأنها شر ، عمل أعمالا وشاهد نتائجها فرأى نتائج حسنة لبعض الأعمال فاعتقد خيريتها ، ورأى نتائج سيئة لبعض آخر فحكم بشريتها ، وليست القوة الأخلاقية التي نعرف بها الخير من الشر إلا التجربة ، واستمرار الأمة في التجارب يفضي بها إلى تعديل آرائها في الأخلاق من وقت لآخر . والسبب في تغير آراء الأفراد والأمم في الحكم على الأشياء هو اتساع مداركها بكثرة تجاربها ، وأحكامنا على الأعمال تصدر بملاحظة الغاية التي نقصدها من أعمالنا والباعث عليها لا بملاحظة ملكة فينا ، وهذا الشعور الأخلاقي الذي نشعر به ، والذي هو نتيجة التجربة تدرج في الرقي من خرافات المتوحشين إلى آراء المتمدنين المهذبين ، ولا يزال إلى الآن يرقى برقي الأمم « 1 » .

--> ( 1 ) انظر كتاب ) scihtE s'LLadhsaR . H ( وكتاب « مبادئ الفلسفة » الذي ترجمناه ، وهو للأستاذ -