أحمد أمين
58
كتاب الأخلاق
في امتحانه وإن غفلت عنه عين الرقيب لأنه ملزم نفسه باتباع القوانين سرا وجهرا بينه وبين نفسه وبينه وبين الناس ، وأكثر الأخيار من هذا الصنف . الدرجة الثالثة : لا يصل إليها إلا عظماء الناس وكبار المصلحين ، وهي شعور بضرورة اتباع ما يراه حقا ، خالف رأي الناس أو وافقهم ، خالف القوانين المتعارفة عند الناس أو وافقهم . وهذا النوع أرقى أنواع الوجدان ، يأمر باتباع ما يوحيه إليه رأيه مهما كلفه من الصعاب ، لا يتفيد إلا بما يراه هو حقا ، ينفذ نظره وراء القواعد والقوانين المتعارضة ليعرف أساس الحق ، فإن وصل إليه عمل به ولو خالف رأي الكبراء والعظماء ، بل ولو خالف رأي الأمة بأجمعها ؛ وقد يصل الأمر بهذه الطبقة من الناس إلى عشق الحق والهيام به ، فتهون عليهم أنفسهم وأموالهم في سبيل نصرة الحق وتأييده ، وهذه مرتبة الأنبياء وخيرة المصلحين لا يخشون في الحق لومة لائم ، ويدعون الناس إلى الحق ولو جر ذلك عليهم الموت ، ويعملون وفق عقيدتهم وإن عذبوا وأهينوا . قال فرعون لأصحاب موسى : آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى ( 71 ) قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 72 ) [ طه : الآيتان 71 ، 72 ] . وهذه الدرجات الثلاث يسلم بعضها إلى بعض ، وليس من كان في درجة قد حكم عليه ألا يفارقها ، بل بتربية الوجدان يتدرج في الرقي . أهمية الوجدان : حياتنا وسعادتنا في هذه الدنيا متوقفتان على أمانة العمال وإتقان عملهم ، فصناع السفينة أو القاطرات إذا لم يتقنوا عملهم عرضوا حياة أنفس كثيرة للأخطار ، وقل مثل ذلك عن الأطباء والمهندسين والمدرسين وكل ذي مهنة . وإن الأمة لا تكون سعيدة حتى يقوم رجال الأمن بواجبهم ، ويعني رجال الصحة بأعمالهم ، وهكذا . وإنما يحمل الناس على أداء واجبهم وإتقان صناعتهم ومهنتهم وجدانهم المركوز في طبائعهم وأعماق نفوسهم ، فهو الذي يطالبهم بالدقة فيما يعملون