أحمد أمين
59
كتاب الأخلاق
لا رغبة في مثوبة ولا خوفا من عقوبة ، فإذا فقدت أمة وجدانها فقدت سعادتها ، بل حياتها . المثل الأعلى قبل أن نشرع في بناء بيت يضع المهندس له رسما ، وقبل أن يضع هذا الرسم كانت في ذهنه صورة كاملة للبيت يستملي منها صورته التي يرسمها . وكذلك الشأن في واضع الرواية ، قبل أن يخرجها إلى الوجود ، كانت مرسومة في ذهنه . وكل إنسان يجب أن تكون عنده صورة كاملة لما يود أن تكون عليه حياته المستقبلة ، وكثيرا ما يسائل الإنسان نفسه ما ذا أكون ؟ فالصورة التي في ذهننا نود تحقيقها ونستملي منها لنجيب على هذا السؤال تسمى في عرف الكتاب الحديثين « المثل الأعلى » . وهو يميز الإنسان عن غيره من الحيوان ، فإنا نرى الحيوانات تعيش على نمط واحد ، ليست في رقي مستمر ، فمعيشة القط قديما هي معيشته اليوم ، وكان النحل يبني خلاياه على أشكال مسدسة كما يبنيها الآن . أما الإنسان ، فدائم الرقي لأن أمامه « مثلا أعلى » يجد في الوصول إليه ، وكلما قرب منه سبقه المثل . ويجب أن يكون لكل إنسان « مثل أعلى » يسعى لتحقيقه ويوجه أعماله للوصول إليه ؛ ذلك لأن الإنسان في هذه الحياة كقائد السفينة في البحر المتلاطم الأمواج لا يمكن أن يصل إلى المرفأ حتى يعرف أين المرفأ ويرسم خطة للوصول إليه ، وإلا تنكب وكانت سفينته عرضة للارتطام . وكذلك يحيط بالإنسان قوى مختلفة : شهوات تتجاذبه وصعوبات تعترضه ومؤثرات متباينة ، فإن لم يحدد غرضه ويعين مثله الأعلى تقسمته هذه القوى واضطربت مسالكه . وللمثل الأعلى تأثير في النفوس ، فهو دائم الشخوص أمام نظر الإنسان يجذبه نحوه ويدعوه لأن يحققه . وإنما أعمال الإنسان وطريقته في الحياة تدل على مثله الأعلى ما هو ؟ وكل المؤثرات في الأخلاق من بيئة ومنزل وتعليم إنما تصلح الإنسان بواسطة إصلاح المثل الأعلى . أما المؤثر الوحيد مباشرة فهو ذلك « المثل » .