أحمد أمين

57

كتاب الأخلاق

بصحبة الأشرار أو إطالة القراءة في الكتب السافلة ، فكلا الأمرين يخدر الوجدان كما تفعل العقاقير المخدرة بالقسم . ويربى الوجدان بالطاعة ، فيعظم سلطانه ويرقى إحساسه ، ومن أجل هذا كان قانون البلاد مما يساعد على نمو الوجدان ، فإنه إذا كان صالحا وأمر بما يأمر به الوجدان كان الإنسان أقرب إلى الطاعة ، فيعظم سلطان وجدانه . وكبار المصلحين في كل أمة يقوون الوجدان ويزيدون في إحساسه ويشعرون الناس بما للشيء الذي يصلحونه من خطر وأهمية ، فيلهبون وجدانهم بما يقولون أو يكتبون . درجات الوجدان : للوجدان ثلاث درجات : الدرجة الأولى : شعور بعمل الواجب خوفا من الناس ، ويكاد هذا النوع يكون في كل إنسان حتى لنجده في المتوحشين والمجرمين والأطفال وبعض الحيوانات ، وهذا الشعور يحمل كثيرا من الناس على عمل الواجب ، ولولاه ما عملوا ، فكثير من الجنود لا يفرون من ساحة القتال خوف أن يعيروا ، وكثير من الناس يصدقون خشية أن يعرف عنهم الكذب ، فيسقطوا من عين من حولهم . ولهذا النوع من الوجدان عيبان : الأول أن أمثال هؤلاء عرضة للوقوع في الرذائل ، فإذا أمنوا رؤية الناس لهم وخلوا إلى أنفسهم ؛ والثاني أنهم إذا أصيبوا ببيئة سافلة لم يخجلوا من عمل الشر ولم يخشوا رأي أحد ، فيندفعوا في ارتكاب الجرائم . الدرجة الثانية : شعور بضرورة اتباع ما تأمر به القوانين سرا وجهرا ، سواء أكانت قوانين أخلاقية أم وضعية . وهذا النوع من الوجدان أرقى من النوع الأول ، صاحبه يلزم نفسه بالخضوع للقوانين ، ولو أمن العقوبة يؤدي الأمانة إلى أهلها ، ولو لم يكن شهود عليها يحافظ على وعده ، والكلمة تصدر منه كما يحافظ على تنفيذ عقد أمضاه ؛ لأن القانون الأخلاقي يأمر بالوفاء بالوعد ، والقانون الوضعي يلزمه بتنفيذ العقد ، وهو خاضع لكلا القانونين ، الطالب من هذا النوع لا يخدع أحدا ، وإن أمن العقوبة ، ولا يكذب وإن نال من الكذب فائدة ، ولا يحاول الغش